
أنامل حَجَبَها الدُّخان .. كيف أسقطتْ أقلامُ السلاطينِ “نساءَ المغربِ” من عرشِ الذاكرة؟
بقلم : طارق الأسمر
حين تُفتَحُ دفاترُ التاريخِ المغربيِّ القديم، ينبعثُ منها غبارُ المعاركِ وصليلُ السيوف، وتتراءى لك طوابيرُ الرجالِ من قادةٍ وسلاطين وفقهاء، يمشون في ركاب الحبر والتدوين. لكنكَ إذا أنصتَّ جيّداً إلى رجع الصدى وراء تلك السطور النحاسية، ستسمعُ حفيفَ حريرٍ حُجبَ عنوة، وخطواتٍ حاسمةً لنساءٍ صَنَعْنَ حواضرَ كبرى ووجّهنَ مصائرَ دول، ثم انطفأتْ أسماؤُهنَّ في الزوايا المعتمة للمتن الرسمي.
لم تكن المرأةُ المغربيةُ يوماً هامشاً في متن الحياة، بل كانت هي “النص الكامن” الذي حذفته يدُ الرواة. فكيف تواطأ التدوينُ على إبقاء الصانعةِ الأولى في الظل؟
فإن الجنايةَ الكبرى التي لحقت بذاكرة المرأة المغربية لم تأتِ من قلة حيلتها، بل من طبيعة القلم الذي تولى التأريخ. لقد كُتبت المدونات الكلاسيكية بـ “أقلامٍ بلاطية” تنظر إلى العالم من شُرفة الفوق: مَن بايع؟ مَن غزا؟ ومَن اعتلى العرش؟
فهذا الاختزال الضيق جعل التاريخ يبدو وكأنه حلبة صراع عسكري بحت، سقطت منه تلقائياً الأدوار المجتمعية، والاقتصادية، والثقافية. وهي المساحات الحيوية التي كانت المرأة تدير خيوطها بذكاء وهدوء. لقد اعتبر المؤرخ القديم أن حركة “المغزل” أو تدبير “الوقف” أو مشورة “الخدر” تفاصيل يومية لا تستحق عناء الحبر، متناسياً أن الإمبراطوريات لا تقف على حَدّ السيف وحده، بل على صلابة الطوب الاجتماعي الذي كانت تعجنه النساء.
ففي فتراتٍ طغى فيها العُرفُ المحافظُ على النص المكتوب، أصيبت أقلام المؤرخين بنوعٍ من “الحرج الاجتماعي”. كان ذِكرُ اسمِ المرأة صراحةً يُعَدُّ في بعض الأوساط خرقاً لآداب الحشمة، فجرى استخدام “ممحاة لفظية” لطمس الهويات. و تَحوّلت الأميراتُ، والمفكراتُ، والتاجراتُ في بطون الكتب إلى ضمائر مستترة؛ صرنَ “دار السيد”، أو “الحرم المصون”، أو “أهل بيته”.
فهذا الحجب المتعمّد لم يكن صيانةً بقدر ما كان “إعداماً رمزيّاً” للهوية التاريخية، جعل أجيالاً تعتقد أن الساحة كانت خالية إلا من العمائم. وحتى حين كان التاريخ يرقّ قلبه لامرأة، كان يضعها في قالب “الزاهدة المحسنة” التي تبني مسجداً وتنزوي، مغفلاً وجهها الآخر كامرأة دولة، ومستشارة سياسية تقود كواليس الحكم برؤية ثاقبة.
ورغم هذا الحصار الحبري، كانت بعض النساء أضخم من أن تسعهنَّ هوامش الحذف. فرضتْ قاماتٌ مغربيةٌ أنفسهنَّ على الذاكرة بقوة الفعل العاري، فصِرنَ كالشمس التي لا يسترها غربال التدوين :
كنزة الأوربية حارسة المهد : لم تكن مجرد زوجة للاجئ طريد اسمه إدريس الأول، بل كانت “العرّابة” الحقيقية لولادة أول دولة إسلامية مستقلة في المغرب. بذكائها السياسي، وحكمة دمها الأمازيغي، احتوت القبائل وثبّتت أركان العرش لوليدها إدريس الثاني، عاجنةً الهوية المغربية بروح الاستمرارية.
فاطمة الفهرية منارة المداد : امرأة لم تطلب سلطةً، بل طلبت خلوداً من نوع آخر. بمالها الخاص وصبرها، خطّت في فاس أساس جامعة القرويين، لتصبح هذه السيدة القادمة من القيروان أمّاً لأقدم شريان معرفي مستمر في العالم، مُثبتةً أن يد المرأة هي التي سقت شجرة الفكر التي استظل بها فحول الفلسفة والطب لقرون.
زينب النفزاوية مهندسة الإمبراطورية : تلك التي قال عنها المؤرخون إنها كانت عنوان سعد زوجها يوسف بن تاشفين. لم تكن زينب مجرد حسناء في قصر مرابطي، بل كانت العقل الإستراتيجي الذي رسم خريطة التوسع، ووجّه بوصلة القائد الكبير، وبفضل رجاحة عقلها ونظرتها الثاقبة نبتت مراكش من قلب الرمال كعاصمة لإمبراطورية هزت ضفتي المتوسط.
السيدة الحرة أميرة الموج : في الشمال، وفي القرن السادس عشر، كَسرت هذه المرأة الصورة النمطية للمرأة القابعة وراء الستور. حكمت تطوان بقبضة من حديد، وقادت أساطيل الجهاد البحري في المتوسط كقوة يخشى بأسها الإسبان والبرتغاليون. لم تكن رقماً في حريم السلطان، بل كانت الندّ بالندّ لملوك أوروبا.
فإن التاريخ الذي ظَلم المرأة المغربية ليس قضاءً وقدراً لا يُمحى، بل هو نصٌّ بشريٌّ قابل للمراجعة. واليوم، يتصاعد حراك فكري من أكاديميين ومؤرخين مغاربة ينبشون في المسكوت عنه.
إنهم يتركون كتب المغازي والحروب جانباً، ويهبطون إلى أرشيفات أكثر صدقاً، إلى وثائق الحوالات الحبوسية، عقود البيع والشراء، الوصايا، والرسائل المنسية. هناك، بين السطور التي لم تُكتب لتُمجّد سلطاناً، تنبعث المرأة المغربية من جديد، تاجرةً تُحرّك قوافل الصحراء، وفقيهةً تُفتي في النوازل، وعالمةً تُصحح للرجال أسانيدهم، ومقاومةً تحمي الثغور.
لم يظلم التاريخُ المرأةَ المغربية لأنها كانت ضعيفة، بل ظلمها لأنه خاف من توثيق قوتها. وحان الوقت ليعود القلم إلى رشده، فيكتب التاريخ كاملاً، بعينين اثنتين.. عينِ الرجل وعينِ المرأة …











