
رجلٌ يجرُّ تابوتَه اليوميّ
رجلٌ يجرُّ تابوتَه اليوميّ
كان أبي يقولُ
إنّ الرّجالَ الّذين يُكثرون من الصّمت
يُخفون في حناجرهم
مقبرةً جماعيّة.
وأنا كلّما فتحتُ فمي خرجتْ منه رائحةُ قطارٍ متأخّر
و امرأةٍ نسيتُ اسمها على مقعدِ الانتظار.
في الحيِّ
كانوا يظنّونني نجّارا
لأنّ يديّ مليئتان بالشّظايا،
لكنّ الحقيقة
أنّي كنتُ أجرُّ كلَّ ليلةٍ تابوتي الخشبيّ
وأقيسُ به عرضَ الوحدة.
المرأةُ الأخيرةُ الّتي أحببتُها
تركتْ معطفها عندي مثل إصابةِ عمل دون تعويض.
منذ ذلك اليوم
كلّما ارتديته أسمعُ قلبا غريبا يُفتّشُ في جيوبه
عن مفاتيح بيتٍ احترق.
الأطبّاءُ الّذين فحصوا رأسي
قالوا إنّ جمجمتي مزدحمةٌ بالكراسي الفارغة،
وأنّ أفكاري مُصابة باضطرابات نفسيّة مزمنة
أمّي تؤكّدُ
أنّني وُلِدتُ مبتورَ الخيال. بفائض موت احتياطيّ في القلب
ولهذا كنتُ أعضُّ الوسادةَ ليلا
ككلبٍ يحاولُ إخفاءَ نباحه عن الجيران.
أمّا أبي
فكان يعلّقُ صورَ القدّيسين فوق سريري،
لكنّهم جميعا كانوا يديرون وجوههم كلّما دخلتُ الغرفة.
عملتُ سنواتٍ في نقلِ الطّوب الإسمنتي وقطع الأخشاب
ولهذا صارتْ كتفاي تعرفان جيّدا
كيف يحملُ الإنسانُ خرابَه من بيتٍ إلى آخر.
النّساءُ اللّواتي مررنَ بحياتي
كنَّ يتركنَ وراءهنّ
أكوابا ناقصة،
مشابكَ شعر،
أقلام كحل مقصوفة،
أحمر شفاه باهت كقبلةٍ أخيرة،
ستيان مشدودة كندم قديم،
وأمراضا صغيرة
تكبرُ في صدري مثل نباتاتٍ منزليّة لا تحتاجُ إلى الشّمس.
في إحدى اللّيالي
استيقظتُ ووجدتُ قلبي واقفا عند باب الشقّة بحقيبةِ سفر.
لم يُسلّم عليّ.
فقط
ألقى نحوي نظرةً باردة
ومضى كموظّفٍ أنهى دوامه الأبديّ.
صباحَ اليوم
أخبرني الحلاّق أنّ الشيبَ الّذي يملأ رأسي
ليس شيخوخة،
بل رمادُ الحرائق الّتي أخمدتُها وحدي.
واقترح عليّ نوعا جيّدًا من الحنّاء الأسواني
فضحكتُ بخجلٍ،
لهذا
كلّما صافحتُ أحدا يشمّ في يدي رائحةَ ماءٍ محترق.
وعندما أموت
لن يجدوا في جيبي سوى إيصالاتٍ قديمة،
ربّما أثمان فادحة لأعمار استهلكت في الانتظار
ربّما ثلاثة مفاتيح لأبواب لا تفتح
بقايا من أحلام قتلتني
وصورةِ أشعّة لروحٍ مثقوبة،
وورقةٍ صغيرة كتبتُ عليها
لقد حاولتُ أن أعيشَ
دون أن أتحوّل إلى سكين.
محب خيري الجمال
Moheb Khairy Elgmmal











