
لماذا فشل التعليم في إنتاج مفكرين؟
عندما ظهرت الجامعات الحديثة، كان الهدف المعلن منها إنتاج المعرفة وتوسيع حدود الفهم الإنساني. كانت الجامعة فضاء للبحث والنقاش واختبار الأفكار ومراجعة المسلمات. لم تكن مجرد مؤسسة تمنح الشهادات، بل مؤسسة تسعى إلى تكوين عقل قادر على التفكير والتحليل والنقد.لكن هذا التصور تغير تدريجيا مع تطور الدولة الحديثة واتساع السوق وتزايد الحاجة إلى الكوادر المتخصصة. أصبحت الجامعة تؤدي وظيفة مختلفة إلى حد كبير. فبدلا من أن تكون مؤسسة لإنتاج المعرفة، تحولت في كثير من الأحيان إلى مؤسسة لإنتاج الموظفين.
لم يعد السؤال الأساسي داخل الجامعة: ماذا نعرف؟ بل ماذا يحتاج سوق العمل؟ ولم تعد قيمة التخصص تقاس بقدرته على إنتاج معرفة جديدة، بل بقدرته على توفير فرص توظيف للخريجين. وهكذا انتقلت الجامعة من موقعها كفضاء فكري إلى موقع أقرب إلى مركز تدريب مهني واسع النطاق.لا يعني هذا أن تأهيل الطلاب للعمل أمر سلبي بحد ذاته، فالمجتمعات تحتاج إلى الأطباء والمهندسين والمعلمين والمحاسبين وغيرهم. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه الوظيفة هي الوظيفة الوحيدة للجامعة، وعندما يتراجع دورها الفكري والمعرفي لصالح دورها الاقتصادي.
في هذه الحالة يصبح الطالب مشروعا وظيفيا قبل أن يكون مشروعا معرفيا. يدخل الجامعة بحثا عن وظيفة، ويختار تخصصه بناء على فرص الدخل، ويقيس قيمة تعليمه بحجم الراتب المتوقع بعد التخرج. أما المعرفة نفسها فتتحول إلى وسيلة لا أكثر.هذا التحول انعكس على طبيعة التعليم. فالمناهج أصبحت أكثر تركيزا على المهارات المطلوبة في السوق، وأقل اهتماما بالأسئلة الفلسفية والفكرية الكبرى. والمواد التي لا تحقق منفعة اقتصادية مباشرة أصبحت توصف بأنها غير عملية أو غير مفيدة.نتيجة لذلك تراجع الاهتمام بالعلوم الإنسانية والفلسفة والتاريخ والنقد الاجتماعي في كثير من المؤسسات التعليمية. ليس لأنها فقدت أهميتها، بل لأنها لا تنتج عائدا اقتصاديا مباشرا يمكن قياسه بسهولة.لكن المجتمعات لا تعيش بالمهارات التقنية وحدها. فالمهندس يحتاج إلى فهم المجتمع الذي يعمل فيه، والطبيب يحتاج إلى فهم الإنسان لا الجسد فقط، والسياسي يحتاج إلى فهم التاريخ والثقافة إلى جانب الإدارة. وعندما يتم فصل التخصصات عن الواقع الإنساني الأوسع، تظهر أجيال تمتلك مهارات مهنية جيدة لكنها محدودة في فهمها للعالم.كما أن تحويل الجامعة إلى مصنع للموظفين يخلق علاقة مختلفة بين الطالب والمعرفة. فبدلا من البحث والاستكشاف، يصبح الهدف هو اجتياز الامتحان والحصول على الشهادة. وبدلا من طرح الأسئلة، يصبح التركيز على حفظ الإجابات المطلوبة.في هذا المناخ تتراجع روح المبادرة الفكرية. فالطالب يتعلم ما يحتاجه للنجاح داخل المؤسسة، لا ما يحتاجه لفهم الواقع أو تغييره. ومع الوقت تصبح الجامعة مكانا لإعادة إنتاج المعرفة السائدة أكثر من كونها مكانا لإنتاج معرفة جديدة.
المشكلة لا تقتصر على الطلاب. فالباحثون وأعضاء هيئة التدريس أنفسهم يعملون داخل منظومة تقيس النجاح بالأرقام والمؤشرات الإدارية وعدد الشهادات والمنشورات. وفي بعض الأحيان تصبح البيروقراطية الأكاديمية أكثر حضورا من البحث العلمي نفسه. كل ذلك يطرح سؤالا أساسيا هل ما زالت الجامعة تؤدي وظيفتها الأصلية؟لا يمكن الإجابة بنعم أو لا بشكل مطلق، فهناك جامعات ومراكز بحثية ما زالت تنتج معرفة مهمة وتساهم في تطوير العلوم. لكن الاتجاه العام في كثير من الدول يشير إلى تراجع الدور الفكري للجامعة وصعود دورها الوظيفي.
المشكلة ليست في إعداد الخريجين لسوق العمل، بل في اختزال التعليم كله في هذه المهمة. فعندما تصبح الوظيفة هي الغاية الوحيدة، تفقد الجامعة جزءا كبيرا من معناها. وعندما تتراجع المعرفة أمام متطلبات السوق، يتحول التعليم إلى نشاط اقتصادي أكثر منه نشاطا فكريا.ولهذا فإن مستقبل الجامعة لا يرتبط فقط بعدد الخريجين أو حجم المباني أو التصنيفات الدولية، بل بقدرتها على الحفاظ على دورها كمؤسسة تنتج المعرفة وتدرب العقول على التفكير الحر. فإذا فقدت هذا الدور، ستبقى قادرة على إنتاج الموظفين، لكنها ستفقد قدرتها على إنتاج المفكرين.
زكريا نمر











