مراتب العقول عند ابن رشد

يمثل تفاوت القدرات الإدراكية بين البشر معضلة أنطولوجية واجتماعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بتلقي وفهم الخطاب الديني الموجه للجميع. لتفكيك هذه المعضلة.                                                                  يطرح ابن رشد نظرية إبستمولوجية طبقية، تصنف العقول البشرية إلى مراتب متفاوتة بناءً على استجابتها لطرق الاستدلال والتصديق. يجادل ابن رشد بأن الشريعة، لكونها موجهة لكافة البشر، قد تضمنت في بنيتها الداخلية طرقاً متعددة للتصديق تتناسب مع تباين الطبائع البشرية.

 

الجذور الفكرية لهذا التصنيف تعود إلى محاولة ابن رشد حل الإشكالية السياسية والمعرفية المتمثلة في فتنة الجماهير؛ حيث إن إلقاء المعارف الفلسفية المعقدة لغير المؤهلين يؤدي إلى تكفير متبادل وتمزق مجتمعي. بناءً على ذلك، يقسم ابن رشد العقول إلى ثلاثة أصناف أساسية: الصنف الخطابي، والصنف الجدلي، والصنف البرهاني. هذه الأصناف لا تعبر عن تقييم أخلاقي، بل تعبر عن آليات حتمية لاكتساب المعرفة.

 

الصنف الأول هو “صنف الجمهور”، وهم أهل “الخطابة”. يرى ابن رشد أن هذا الصنف يمثل الأغلبية الساحقة، وهم ينقادون ويصدقون من خلال الأمثلة الحسية، والمواعظ، والترغيب والترهيب، ولا يطيقون التجريد الفلسفي. بالنسبة لهؤلاء، يجب إبقاء النصوص الدينية على ظواهرها الحسية وعدم إقحامهم في تعقيدات التأويل، لأن كسر الظاهر بالنسبة لهم يعني تدمير الإيمان.

 

الصنف الثاني هو صنف “أهل الجدل”، وهم المتكلمون وعلماء اللاهوت. هؤلاء يمتلكون قدرة عقلية تتجاوز الجمهور، فيجادلون في النصوص ويطرحون الأسئلة، لكن أدلتهم لا تصل إلى مرتبة اليقين الرياضي، بل تعتمد على مقدمات مشهورة أو مظنونة. ينتقد ابن رشد هذا الصنف بحدة، معتبراً أن إفشاءهم للجدليات أمام الجمهور هو السبب الرئيسي في نشوء الفرق والمذاهب وانقسام الأمة.

 

أما الصنف الثالث فهو الطبقة النخبوية: “أهل البرهان” أو الفلاسفة. هؤلاء لا يكتفون بالظاهر الخطابي ولا بالمجادلات الكلامية، بل يغوصون نحو الحقائق اليقينية باستخدام المنطق الصارم والأدلة القاطعة. يقرر ابن رشد أن هذا الصنف وحده هو المالك لحق “التأويل” العميق للنصوص المتشابهة، وهو تأويل يجب أن يُحفظ داخل أروقة هذه النخبة (في الكتب البرهانية) ولا يُسرب إلى الجمهور. من خلال هذا التصنيف المعرفي الصارم، يسعى ابن رشد إلى خلق تعايش سلمي بين الحقيقة الفلسفية المجردة والإيمان الجماهيري البسيط، مبقياً كل عقل في دائرته التي يُحسنها.

 

الصفحة الرسمية للكاتب سالم يفوت