نداءُ الهجرة: رِحلَةُ النُّورِ والخُلُود 

نداءُ الهجرة: رِحلَةُ النُّورِ والخُلُود

 

لَم تَكُن هِجرَةُ المُصطفى -صلى الله عليه وسلم- مُجَرَّدَ ارتحالٍ مِن دِيارٍ إلى دِيار، بَل كانَت إعلانَ ميلادٍ لأُمَّةٍ، وانبثاقَ فَجرٍ جَدِيدٍ شَقَّ ظُلمَاتِ الجَاهِلِيَّةِ لِيُعْلِيَ رَايَةَ الحَقِّ بـأمرِ السَّماء. لَقَد كانَت رحلةً مِحوريَّةً نَقَلَت البَشَرِيَّةَ مِن ضِيقِ الانغلاقِ إلى رَحابةِ مِعراجِ القِيَم، ومُجتَمَعٍ قَامَ على أساسِ العَدلِ، والمُساواةِ، والأُخُوَّةِ الصَّادِقَة.

 

إنَّ الهِجرَةَ -في جَوهَرِها- دَرسٌ خَالِدٌ في “فِقهِ التَّحَوُّلِ”؛ فَهِيَ تُعَلِّمُنا أنَّ المَصَاعِبَ ما هِيَ إلا بَوَّابَاتٌ للتمكين، وأنَّ العَزِيمَةَ الصَّادِقَةَ تَصنَعُ مِن طُرُقِ الهَلاكِ مَسَارَاتٍ للنَّجاة. لَم يَكُنِ الخُرُوجُ هَرَبًا، بَل كانَ إقدامًا نَحوَ قَدَرٍ مَكتوبٍ بِمِدادِ اليَقِين، وتَأسِيسًا لِدَولَةٍ نُورَانِيَّةٍ طَارَدَتِ الجَهلَ بِالعِلمِ، والظُّلمَ بِالقِسط.

 

وفي ظِلالِ “الغَارِ” نَسْتَلْهِمُ أسمى مَعَانِي التَّوَكُّل؛ حَيثُ تَجَلَّت السَّكِينَةُ الإلهِيَّةُ لِتُبَدِّدَ مَخَاوِفَ البَشَر، فكانَ اليَقِينُ باللهِ هوَ المَلاذَ الآمِنَ عِندَ اشْتِدَادِ الأَزَمَات. إِنَّها دَعوَةٌ مُتَجَدِّدةٌ لِكُلِّ نَفْسٍ مُتْعَبَةٍ، لِتُهَاجِرَ بِقَلْبِها مِن خَوفِ الحَاضِرِ إلى رَجَاءِ المُستَقْبَل، جَاعِلَةً مِن “الأَمَلِ” زَادًا لا يَنْفَدُ، ومِن “الصَّبْرِ” سَبِيلاً لا يَنْقَطِع.

 

لَقَد كَانَت كُلُّ خُطْوَةٍ خَطَاهَا الحَبِيبُ -صلى الله عليه وسلم- وصَحْبُهُ الكِرام، لَبِنَةً في صَرْحِ الحَضَارَةِ الإنسَانِيَّةِ العَالِيَة. واليوم، نَسْتَعِيدُ ذِكْرَاهَا لِنُدْرِكَ أنَّ التَّغْيِيرَ يَبْدَأُ مِن هِجْرَةِ النَّفْسِ عَن كُلِّ مَا يَشِينُهَا، لِتَعْرُجَ نَحوَ الفَضِيلةِ والإحسان.

 

فَلنَجْعَلْ مِن حَيَاتِنَا هِجْرَةً دَائِمَةً نَحوَ الأَفضَل، ولْنُجَدِّدِ العَهْدَ بِأنْ نَكُونَ نُوراً يَهْدِي التَّائِهِينَ في دُرُوبِ الحَيَاة.

 

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، مِصْبَاحِ الهُدَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 

كُلُّ عَامٍ وَالأُمَّةُ الإسْلَامِيَّةُ بِخَيْرٍ وَعِزٍّ وَسَلَام.

 

د. سحر حليم أنيس

 

سفيرة السلام الدولي

 

القاهرة – 16/6/2026