
مقال للكاتب أحمد السمان
الهجرة… كيف أنقذت الليبرالية الأوروبية نفسها؟
لم تنتصر الليبرالية الأوروبية على الشيوعية لأنها قدمت دائمًا إجابات أفضل، بل لأنها امتلكت قدرة أكبر على امتصاص الأزمات. ومن أهم أدوات هذا الامتصاص فتح أبواب الهجرة، أو الإبقاء على أمل الهجرة حيًا في أذهان ملايين الشباب حول العالم.
كان الفكر الشيوعي يقوم على فكرة بسيطة: إذا شعر العامل أو الشاب بأن النظام الاقتصادي لا يمنحه العدالة، فإنه سيسعى إلى تغيير هذا النظام. لكن مع اتساع فرص الهجرة، تغيرت المعادلة. لم يعد السؤال: كيف أغير مجتمعي؟ بل أصبح: كيف أغادره؟
وهكذا تحولت طاقة الاحتجاج إلى طاقة للرحيل، وأصبحت الحدود الأوروبية، في نظر كثيرين، بديلًا عن الثورة الاجتماعية. فبدل أن ينظم الشباب أنفسهم للمطالبة بإعادة توزيع الثروة أو إصلاح الاقتصاد، أصبحوا ينظمون ملفات اللجوء والهجرة، ويقضون سنوات في انتظار فرصة عبور الحدود.
من هذا المنظور، تبدو الهجرة وكأنها صمام أمان للنظام الليبرالي العالمي. فهي لا تعالج أسباب الفقر أو البطالة في الدول المصدرة للمهاجرين، لكنها تخفف آثارها عبر استقطاب جزء من الشباب الأكثر طموحًا. وبذلك ينخفض الضغط الداخلي، وتتراجع احتمالات نشوء حركات اجتماعية واسعة تتبنى بدائل اقتصادية، ومنها الشيوعية.
ولو أغلقت أوروبا أبواب الهجرة بالكامل، فمن المحتمل أن يجد كثير من الشباب أنفسهم مضطرين إلى مواجهة أزماتهم داخل أوطانهم بدلًا من البحث عن مستقبل في الخارج. وعندها قد تستعيد الأفكار التي تنتقد الرأسمالية، ومنها الشيوعية، حضورًا أكبر في النقاش العام، لأن خيار الرحيل لم يعد متاحًا.
ومع ذلك، فإن الدفاع عن الشيوعية لا ينبغي أن يقوم على رفض الحرية أو الانفتاح، بل على نقد ما يراه أنصارها اختلالًا في توزيع الثروة، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتحول الإنسان إلى مجرد عنصر في السوق. ومن هذا المنطلق، يرى بعض المفكرين أن العدالة الاجتماعية يجب أن تكون أولوية تسبق منطق الربح.
ويبقى الجدل بين الشيوعية والليبرالية مفتوحًا، لأن كلا التيارين يقدمان رؤى مختلفة لطبيعة المجتمع والاقتصاد والحرية. وما يحدد قوة أي فكرة ليس مجرد حضورها في الخطاب، بل قدرتها على تقديم حلول عملية للتحديات التي تواجه الناس.
هذا المقال يعرض موقفًا مؤيدًا للشيوعية من زاوية نقد الليبرالية، لكنه لا يفترض أن هذه الرؤية هي الحقيقة الوحيدة، بل يقدّمها بوصفها منظورًا سياسيًا قابلًا للنقاش.
رفعت للتصميم













