
بين طيبة الماضي وضجيج الحاضر
بقلم: يسري سلطان
كانت القرية في زماننا الجميل كيانًا واحدًا وقلبًا ينبض بالدفء؛ لا تفصل بين بيوتها إلا جدران من الطين، أما القلوب فكانت مفتوحة ومشرعة للجميع. كان الاحترام تاجًا يُتوّج الصغير قبل الكبير، والكلمة الخاطئة تُستحى قبل أن تُقال. كان الكبير يُنادى بلهفة ومحبة: «يا أبه» أو «يا خال»، والزوجة تخاطب أخت زوجها بـ«يا عمه»، وأخاه بـ«يا أبا فلان». كانت هناك حدود غير مكتوبة، رسمتها الفطرة النقية والتراحم الأخلاقي؛ حتى إن السلفة لو كانت أصغر سنًا وتزوجت الأخ الأكبر، نادتها سلفتها الكبرى بـ«يا عمه» إجلالًا لمقام الكهولة والمكانة.
مهما علا شأن الرجل فينا، ومهما تبوأ من مناصب أو بلغت هيبته الآفاق، كان يطأطئ رأسه إجلالًا عند دخول بيت عائلته ليبث الدفء في يد الكبير بقبلة احترام. ولا أزال أذكر يوم فرح أخي «الدكتور إبراهيم»،اتفقنا ان يكون فى قريتنا مع الاهل والاحباب بحيث انه يمكث اسبوعا وبعدها يذهب الى. الاسكندرية . وليلة الحناء ويوم الفرح حلّ علينا زملاء وأصدقاء مدعوون من الإسكندرية، ووقفوا في دهشة واستغراب يتأملون ذلك المشهد المهيب: الجميع يدخلون فيقبلون أيدي كبار السن بحب جمّ وتواضع أثيل، دون كبرياء أو كُلفة. كان من غير المقبول إطلاقًا أن تضع يدك في يد من هو أكبر منك ناهيك عن أن تتخطى مجلسه، وإلى اليوم، والحمد لله، لا تزال عائلتنا متمسكة بقدر استطاعتها بتلك العادات العريقة؛ نتجمع في الأفراح، ونقتسم الأحزان في الأتراح، ونشد أزر بعضنا في النائبات.
من ينسى رائحة الصباحات القديمة؟ حين كانت رائحة «خبيز العيش» البلدي تنبعث مع شروق الشمس، معجونة بالخير والجمال، لتملأ الأزقة بأمل جديد وبركة لا تزول.
وفي المساء، حين كان التلفزيون عزيزًا لا يمتلكه إلا أفراد معدودون في القرية، كان البيت الذي يحويه يتحول إلى ملتقى للأهل والجيران. يتجمع الجميع بعد صلاة المغرب بروح صافية لسماع المسلسل. كانت لمسلسلات ذلك الزمان نكهة خاصة؛ لأنها كانت غوصًا صادقًا في واقع الناس البسطاء الذين يشكلون السواد الأعظم من المجتمع، تعكس آلامهم وآمالهم وتصقل أخلاقهم.
أما اليوم، فقد انقلبت الموازين؛ أصبحت الدراما تُصوَّر في القصور والعاج، بعيدة كل البعد عن محاكاة نبض الشارع الحقيقي. والأدهى من ذلك أن ظواهر البلطجة والعنف انتشرت بشكل مخيف، وصارت تُقدَّم للشباب على أنها «تريند» يقتدى به. غاب القدوة، وأصبح الفنان أو صاحب «التريند» العابر أهم في نظر أجيالنا من عالم يفك رموز العلوم، أو طبيب يداوي الجراح، أو خبير يبني الأوطان.
إلى أين نحن ذاهبون بهذا البعد عن قيمنا ومبادئنا؟ وأين نحن من حسن المعاملة وطيب الأثر والرحمة التي أوصانا بها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم؟ إن العودة إلى أصولنا الأخلاقية، واستعادة الدفء الإنساني والبساطة التي أفسدها زيف الحاضر، لم تعد مجرد حنين للماضي، بل أصبحت ضرورة يفرضها الحرص على حماية جوهرنا الإنساني وأبنائنا من الضياع.
الصورة من مؤتمر الادباء والإعلامين بالمنصورة
وتم تكريمى فى هذا اليوم. ..درع الإبداع والتميز
وميدالية التميز فى الشعر العامى
رحم الله الاديب. . شريف الفار
وبارك لنا فى الدكتور الفاضل علاء عطية
رئيس مجلس إدارة جريدة الراية الدولية
يسرى سلطان
رفعت للتصميم













