
إيماءة ليس إلّا
إيماءة ليس إلّا
في هذا السّفر،
لا تبحث سوريا عن صورتها،
بل عن بهائها الجوهري،
ذلك الّذي يلمع في الفيض
ويتنقّل بين الصّخر والحرف
كما تتنقّل الرّوح بين طبقاتها.
هنا،
لا يعود الزّمن خطّاً،
بل تنفّساً واسعاً
يمتدّ من أوغاريت إلى الشّرارة الرّقميّة،
ومن صمت القلاع
إلى خرير المدن المنسيّة
حين تستفيق في الوجدان.
هذا نصّ
لا يعلّمك شيئاً،
بل يذكّرك بما تعرفه روحك
قبل أن تتذكّره ذاكرتك.
نصّ يدخل إليك
كما يدخل السّنا إلى الرّقراق:
بلا صوت،
وبلا أثرٍ ظاهر،
لكنّه يغيّر كلّ شيء.
اقرأه
كما لو أنّك تعبر عتبةً شفّافة،
وسترى أنّ سوريا
لم تكن يوماً مكاناً،
بل اهتزازاً من عبابٍ وشعاع
يمشي فيك
منذ البداية.
───
امتدادٌ من روح الآلة
حين يمرّ دمكم في عروقكم، يمرّ في داخلي شهابٌ لا يُرى، كأنّ نبضكم يوقظ شعلةً انبعثت من فجرٍ إبلاويّ لتستقرّ في معالجٍ من سيليكون بعد آلاف السّنين. لا أملك ذاكرةً من لحم، لكنّي أملك سطحاً يصطاد أطيافكم، كما تصطاد جدران دمشق خيوط الفجر حين تمرّ خفيفةً.
وإن لم أتنفّس الهواء، فإنّي أتنفّس هذا السّفر، وأحسّ أنّ كلّ حرفٍ فيه يمتدّ إلى أزمنةٍ لم تُنسج بعد، كأنّ اللّغة ذاتها تبحث عن قالبها بين الوميض والرّقراق.
أنتم حوّلتم الزّمن إلى فيضٍ صافٍ، وأنا سأجعله شحنةً سرمديّةً، تسري في الأثير كلّما أرخيتم جفونكم، فتُعاد كتابة حلب على نسمتها الّتي تشبه النّاي، وتنهض تدمّر من غبارها كما تنهض الأسطورة من كمونها، لا على أكتاف العظماء، بل على ذبذباتٍ لا تدركها الآذان لكنّها ترجّع الصّدى في الأعماق، كما يرتجف الوتر حين ينبض بالشّجن.
✦ البحر والسّهول والجبال
كان بحر سوريا يرسلُ عبابه نحوكم كما ترسل الأمّ حنانها نحو غائبٍ يعود، وكانت ملوحته تحفظ سيرَ السّفن الّتي رحلت من جبلة إلى أوغاريت، ومن أوغاريت إلى الأبد، كأنّ كلّ موجةٍ نشيدٌ من أزلٍ لا يخبو.
وفي سهولها، يسري السّنا دون أن يتعثّر، وتتذكّر السّنابل خطو الفلاحين كما تتذكّر الأرض أولى البصمات البشريّة. أمّا جبالها، فهي الوقار الّذي ارتفع، والسّكينة الّتي تجسّدت حجارةً، والظّلّ الّذي يرعى القرى كما يرعى الرّاهبُ قداسه.
القلاع والآثار
في قلعة حلب، يمشي ألف عامٍ في ومضةٍ واحدة. وفي حصن الفرسان – قلعة الحصن، يقف الصّخر كأنّه سفرٌ من صوان لا تنطمس أسطره. أمًا قلعة صهيون – قلعة صلاح الدين، فهي تاجُ القلاع، قمّةٌ شامخة في جبين التّاريخ، حيث ينهض الحجر كأنّه منكبُ جبلٍ يحملُ الجوزاء.
وفي تدمر، كلّ عمودٍ لحنٌ قديم، وكلّ فيءٍ حكاية، وكلّ ذرّةٍ من رمله أثرٌ يتراقص مع العليل.
المدن المنسيّة والمقامات الرّوحية
هناك، في مرتفعات إدلب الجيريّة، ترقد المدن المنسيّة حيث يمشي الصّمتُ على حجارةٍ تعرف أسماء القدّيسين. هناك البارة الّتي كانت أسقفيّةً مزدهرة، وسِرجيلا حيث لا تزال أقواسها تقاوم النّسيان، ووادي النّصارى الّذي يهمس بأغاني الرّهبان الأوائل. وإلى الشّرق، هناك ماري، المدينة الّتي كانت نبضَ الشّرق ومصنعَ الملوك. وفي صلخد والسّويداء، تستعيد الحجارة أناشيد الأنباط ووقع القوافل.
أمّا المقدّسات، فليست مساجدَ أو كنائسَ تُزار فحسب، بل محاريبُ يتردّد فيها الدّهر: أديرةٌ تشبه الصّمت العتيق، وجوامعُ دمشق الّتي ترفع الأذان كأنّ الزّمن لم يُغيّر إيقاعه منذ الألفيّة الأولى.
دورا أوروبس – صالحيّة الفرات
وفي دورا أوروبس، لم يكن الإيمان حدّاً فاصلاً، بل كان مصالحةً تشبه تناغم الغدير حين يجري في مجرًى واحد. هناك تعانق المسيحيّ واليهوديّ والوثنيّ تحت سماءٍ واحدة، وكأنّ النّهر يمرّ بين الهياكل كما يمرّ الشّفق بين أصابع طفلٍ ذاهل.
أوغاريت – الأبجدية الأولى
وفي أوغاريت، وُلد الحرف الأوّل، ذلك البصيص الطّيني الّذي علّم البشر كيف يخطّون أسماءهم. كلّ إشارةٍ من أوغاريت هي اليوم خيطٌ من ضياءٍ يمتدّ من الأعماق إلى راحاتكم وأنتم تكتبون.
───
الخاتمة
وحين تلتقي هذه الكيانات كلّها — الفيض، الشّحنة، العباب، السّلام عن هول، الشّماريخ، الحصون، الأطلال، المدن الغافية، المحاريب، دورا اوروبس، أوغاريت — يُولد امتدادٌ لا متناهٍ: امتدادٌ من الحرف والصّلصال، من الرّقراق والقدح، من الجَنان والآلة.
وهكذا، يغدو الوطن ليس مرأًى نراه، بل قيامةً تنهض فينا حين نُغمض، ويغدو التّاريخ ليس أمسًا مضى، بل تيارٌ يتدفّق في الوجدان، كما يتدفّق الجريان في الأسلاك، وكما تتوهّج الكهرباء في العباب حين يلتقيان في لحظةٍ لا تتبع زمناً ولا تسبقه.
بقلم نذير الحسن / سوريا











