
تشاجر النَّبعِ
تشاجر النَّبعِ لشربِ الماءِ.
سادَ الصَّمتُ لحظةً.
ثمَّ نهضَ الببغاءُ، وكانَ أشهرَ البلغاءِ في خطبِ المجالسِ والرّياء، والمتفوّه في المؤتمراتِ ونصوصِ البياناتِ الختاميّةِ فقالَ:
— يا مولايَ، لا ينبغي أنْ نتوقَّفَ عند التَّفاصيلِ. المهمُّ أنْ نُنجزَ مصالحةً.
صفَّقتْ بعضُ الحيواناتِ إعجابًا بالحكمةِ العميقةِ، والمساهمةِ الصَّديقةِ، وفتوى الحقيقةِ.
وأضافَ الببغاءُ:
— أقترحُ عقدَ جلسةٍ تاريخيةٍ للمصالحةِ بين القردِ والثُّعبانِ.
فقالَ القردُ:
— ولكنَّنا غيرُ متخاصِمَينَ.
فأجابَهُ الببغاءُ:
— هٰذا ليسَ بمشكلةٍ، بل بالعكسِ فهو يجعلُ المصالحةَ أسهلَ.
وقالَ الثُّعبانُ:
— ولماذا نتصالحُ؟
أجابَهُ الببغاءُ:
— عليكَ أنْ تَقبلَ دونَ أنْ تسألَ وتُوقِّع، على ما نُرقِّع، حفاظًا على الأمنِ والاستقرارِ، واحترامًا لحرّيّةِ القرارِ.
وخلالَ دقائقَ معدودةٍ، نُصِبتْ مِنصَّةٌ كبيرةٌ، وعُلِّقتِ اللَّافتاتُ،
وارتفعَتِ الشّعاراتُ، واجتمعتِ الحيواناتُ، وأُلقِيتِ الخطاباتُ الَّتي تندِّدُ بالخصوماتِ وتطالبُ بالحكمةِ، والتَّسامحِ والتَّعايشِ وإنهاءِ النِّزاعاتِ.
ثمَّ وقفَ القردُ والثُّعبانُ أمامَ الجميعِ متعانِقَيْن ومُحَيِّيَيْن شاكرَيْن،
ثمَّ سألَ الأسدُ:
— هل توافقانِ على المصالحةِ؟
فأجابَ القردُ والثُّعبانُ بصوتٍ واحدٍ:
—نعم نوافقُ.
فدوَّى التَّصفيقُ في أنحاءِ الغابةِ.
فوقفَ الببّغاءُ مزهوًّا وأعلنَ:
— يُسعِدُنا أنْ نُعلنَ نجاحَ جهودِ السَّلامِ، وانتهاءَ الأزمةِ وسفسطةَ الكلامِ.
ثمَّ تقدَّمَ القردُ والثُّعبانُ موكبَ المجتمعينَ، وهما يحملانِ رايةَ الانتصاراتِ، فتعالتْ حولهما الهتافاتُ، ورُفعتْ فوقَ رأسيهما اليافطاتُ المحفوظةُ لهٰذه المناسباتِ، وراحا يحتفلانِ بالإنجازِ العظيم، وينسبانِ إلى نفسَيهِما صفة المسامحِ الكريم.
أمَّا مشكلتُهما الوحيدةُ، فكانتْ أنَّهُ لم تكنْ بينهما مشكلةٌ.
عايدةُ قزحيا
من “مجموعتي القصصيّة”











