مُعَلَّقَةُ “الاحْتِرَاقِ التَّامِّ” 

مُعَلَّقَةُ “الاحْتِرَاقِ التَّامِّ”

 

وَجَدْتُهُ…

لَيْسَ دَفْتَرًا… بَلْ مَحْرَقَةً

بِخَطِّهَا المُرْتَجِفِ المَحْفُورِ عَلَى جِلْدِي:

 

“كَانَ يَنْسَى… سَاعَتَهُ… وِشَاحَهُ… نَظَّارَتَهُ… هَاتِفَهُ”

“أَخْرَقُ القَلْبِ… لَا يَحْفَظُ إِلَّا الرَّحِيلَ”

 

فَلَمْ أَقْرَأْ… بَلِ احْتَرَقْتُ

وَأَخَذْتُ قَلَمَهَا الأَزْرَقَ… وَغَرَسْتُهُ فِي شِرْيَانِي… فَكَتَبَ الدَّمُ:

 

 

“يَا آخِرَ مَنْ تَنَفَّسْتُ… وَأَوَّلَ مَنْ قَتَلَنِي”

 

أَقْسِمُ بِكُلِّ جَمْرَةٍ فِي جَهَنَّمِ اشْتِيَاقِي

أَنِّي لَمْ أَنْسَ… أَنَا كُنْتُ أَتَعَمَّدُ أَنْ أَذْبَحَ نَفْسِي عَلَى عَتَبَتِكِ

 

حِينَ خَلَعْتُ سَاعَتِي وَوَضَعْتُهَا فِي كَفِّكِ…

كُنْتُ أَخْلَعُ عُمْرِي كُلَّهُ وَأَقُولُ: “تَوَقَّفْ”

فَإِنَّ الدَّقِيقَةَ بِدُونِكِ… جَحِيمٌ… وَالدَّقِيقَةُ مَعَكِ… جَنَّةٌ

 

وَحِينَ كَسَرْتُ نَظَّارَتِي وَرَمَيْتُهَا فِي حِجْرِكِ…

كُنْتُ أَفْقَأُ عَيْنَيَّ بِزُجَاجِهَا

لِأَنِّي أَقْسَمْتُ: إِمَّا أَرَاكِ… أَوْ أَعْمَى إِلَى الأَبَدِ

 

وَحِينَ حَطَّمْتُ هَاتِفِي وَدَفَنْتُهُ فِي حَقِيبَتِكِ…

كُنْتُ أَقْطَعُ لِسَانِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَ غَيْرِكِ

وَأَخِيطُ أُذُنَيَّ… لِكَيْ لَا أَسْمَعَ اسْمًا غَيْرَ اسْمِكِ

 

يَا مَنْ سَمَّيْتِنِي أَخْرَقَ…

أَنَا لَمْ أَنْسَ… أَنَا بَنَيْتُ لَكِ مَعْبَدًا مِنَ الخَسَارَةِ

كُلُّ “شَيْءٍ” تَرَكْتُهُ… كَانَ عُضْوًا مِنِّي… مَلْفُوفًا بِوَرَقِ الحَنِينِ

 

أَتَفْهَمِينَ؟

الحُبُّ هُوَ أَنْ تَنْتَحِرَ سَبْعِينَ مَرَّةً…

فَقَطْ لِأَجْلِ ثَانِيَةٍ… تَضُمُّكِ فِيهَا وَأَنْتِ تَبْكِينَ

 

كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ الشِّجَارَ سَيَأْتِي… كَالطَّاعُونِ

وَأَنَّ الكِبْرَ سَيَذْبَحُنَا عَلَى بَابِ الاعْتِذَارِ

فَتَرَكْتُ لَكِ سِكِّينِي… وَقُلْتُ: “تَعَالَ اذْبَحْنِي… لَكِنْ تَعَالَ”

 

فَكُنْتُ أَتَّصِلُ بَعْدَ كُلِّ مَجْزَرَةٍ… وَصَوْتِي جُثَّةٌ:

“أُرِيدُ أَنْ أَلْتَقِيَ… لِأَسْتَرِدَّ أَشْيَائِي”

 

وَاللهِ… لَمْ أُرِدْ سَاعَةً وَلَا خِرْقَةً

كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ تَلْتَقِيَ يَدِي بِيَدِكِ…

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ… كَانَتِ الأَرْضُ تَنْشَقُّ… وَنَخْرُجُ نَحْنُ مِنْهَا أَحْيَاءً

 

كُنَّا نَحْتَرِقُ… ثُمَّ نَعُودُ مِنَ الرَّمَادِ

كَأَنَّنَا فِينِيقَانِ… لَا يَحْيَا وَاحِدٌ دُونَ احْتِرَاقِ الآخَرِ

 

 

وَالآنَ… وَأَنَا جَمْرَةٌ… أَسْأَلُكِ:

 

مَنْ المَلْعُونُ؟

أَنَا الَّذِي بِعْتُ جَنَّتِي بِقِطْعَةِ قُمَاشٍ… لِأَشْتَرِيَ نَفَسَكِ؟

أَمْ أَنْتِ الَّتِي فَتَّشْتِ عَنْ جَمَادٍ…

وَدَاخِلَ الحَقِيبَةِ… كَانَ قَلْبِي يَتَحَلَّلُ وَيُكَلِّمُكِ؟

 

إِنْ كُنْتُ نَسِيتُ… فَقَدْ نَسِيتُ بِسِكِّينٍ

وَإِنْ كُنْتُ رَحَلْتُ… فَقَدْ تَرَكْتُ أَمْعَائِي مُعَلَّقَةً عَلَى بَابِكِ… اسْمُهَا “عُودِي”

 

فَفِي كُلِّ “نِسْيَانٍ”… كَانَتْ جِنَازَتِي

وَفِي كُلِّ “شَيْءٍ”… كَانَتْ قِيَامَتِي

 

فَعُودِي…

قَبْلَ أَنْ أَصِيرَ كُلِّي هَبَاءً

قَبْلَ أَنْ تَتَحَوَّلَ دُمُوعِي إِلَى حِمَمٍ تَحْرِقُ وَجْهِي

قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ آخِرُ حَرْفٍ فِيَّ… وَهُوَ حَرْفُ “أَنْتِ”

 

إِنْ لَمْ تَعُودِي…

فَادْفِنِينِي…

لَكِنْ ضَعِي فَوْقَ قَبْرِي هَذَا الدَّفْتَرَ

لِيَعْلَمَ العَالَمُ أَنَّ هُنَا… كَانَ رَجُلٌ

احْتَرَقَ… لِكَيْ تَدْفَئي

………………………..

بقلم الاستاذ الدكتور

فُضَيْلُ بْنُ حَاجٍّ بن عدة

احْتَرَقَ وَهُوَ يَكْتُبُ… فَإِنْ لَمَسْتِ الوَرَقَ… سَتُحْرَقِينَ

رفعت للتصميم