الجحيم هو الآخرون

كتب سالم يفوت

“الجحيم هو الآخرون”.. لطالما استُخدمت هذه العبارة الشهيرة في سياق النكات اليومية للتعبير عن الانزعاج من الازدحام أو التعامل مع أشخاص مزعجين. لكن عندما صاغها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في مسرحيته “جلسة سرية” (أو لا مخرج)، لم يكن يقصد بها التذمر الاجتماعي، بل كان يضع يده على واحدة من أعمق وأقسى المشكلات الوجودية التي تواجه الإنسان: كيف تسلبنا نظرة الآخرين سيادتنا على أنفسنا؟

 

وفقاً للفلسفة الوجودية عند سارتر، الإنسان عندما يكون وحيداً تماماً، يكون حراً وذاتاً فاعلة (موضوعاً). إنه يدرك العالم حوله ويعطيه معاني. لكن بمجرد أن يدخل شخص آخر إلى الغرفة، يحدث شرخ في هذا الوجود. يطرح سارتر مفهوم “النظرة” (Le Regard)؛ فمجرد أن ينظر إليك شخص آخر، أنت تتحول في عينيه من ذات حرة ومفتوحة الاحتمالات، إلى شيء أو أداة (مفعول به). نظرة الآخر تجمدك، تصنفك، تضعك في صندوق؛ فأنت في عينه “الذكي”، “الغبي”، أو “الخجول”.

 

تكمن الكارثة الوجودية في أن الإنسان يبدأ في رؤية نفسه من خلال عيون الآخرين. نحن نستعير هذه الأحكام ونتبناها، ونسعى يائسين إما لتأكيدها أو لنفيها، وفي كلتا الحالتين نحن نرد على “نظرة الآخر” وندور في فلكه. الجحيم هنا ليس ناراً مشتعلة، بل هو العذاب النفسي الدائم والمستمر المتمثل في استحالة الهروب من أحكام المجتمع، واستحالة التحكم الكامل في صورتنا كما تنعكس في أذهان الناس. الآخر يمتلك دائماً جزءاً من حقيقتي لا يمكنني الوصول إليه.

 

تعرض هذا المفهوم السارتري القاتم للعلاقات الإنسانية لانتقادات من تيارات فلسفية متعددة. المفكرون ذوو النزعة الحوارية، مثل مارتن بوبر وإيمانويل ليفيناس، اعترضوا بشدة، معتبرين أن “الآخر” ليس مجرد جحيم أو سالب للحرية، بل هو شرط أساسي للوجود الأخلاقي والتحقق الذاتي. رأى هؤلاء أن العلاقة مع الآخر يمكن أن تكون علاقة اعتراف ومحبة وتكامل، وأن الذات لا يمكن أن تكتمل أو تفهم مسؤوليتها في الكون إلا من خلال الوجه الآخر الذي يخاطبها.

 

لكن تشخيص سارتر يبقى مرآة كاشفة لعمق الاغتراب الإنساني. إنه يفسر ببراعة البحث المحموم عن الموافقة الاجتماعية، ويفكك الآلية التي يتحول بها المجتمع إلى محكمة غير مرئية تصدر أحكاماً لا تنتهي، وتجعل من نظرة العابرين قيوداً أشد إحكاماً من السلاسل الحديدية.