
نظرية التسارع الاجتماعي عند هارتموت روزا
كتب سالم يفوت
في مفارقة تبدو عصية على الفهم، يمتلك إنسان العصر الحالي تقنيات تختصر الوقت والجهد أكثر من أي حقبة مضت في التاريخ البشري، ومع ذلك، يسيطر عليه شعور دائم بـ “المجاعة الزمنية” واللهاث المستمر. من قلب هذه المفارقة، تنطلق أطروحة الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا، ممثل الجيل الرابع لمدرسة فرانكفورت النقدية، لتشريح بنية الحداثة المتأخرة. يرى روزا أن جوهر التجربة الحديثة لم يعد يُفهم عبر مقولات كلاسيكية مثل “العقلنة” عند ماكس فيبر، أو “التباين” لدى إميل دوركايم، بل يكمن السر في مفهوم واحد مهيمن: “التسارع”.
تنهض نظرية التسارع الاجتماعي على فكرة مركزية تفيد بأن الحياة المعاصرة تجبر الفرد على الركض الدائم، لا للوصول إلى هدف محدد، بل لمجرد البقاء في مكانه. لتفكيك هذه الظاهرة، يقسم روزا التسارع إلى ثلاثة مستويات أساسية ومترابطة. المستوى الأول هو “التسارع التقني”، ويتجلى بوضوح في ثورة النقل والاتصالات والإنتاج. هذا التسارع أدى، بحسب التعبير السوسيولوجي، إلى “تقلص المكان افتراضياً”، حيث اضمحلت المسافات الجغرافية بفعل السرعة الفائقة للتقنية، مما غيّر النظام الزمني والمكاني للمجتمعات الإنسانية جذرياً.
المستوى الثاني يتمثل في “تسارع التغير الاجتماعي”. بالاستناد إلى الفيلسوف هيرمان لوبي، يخضع الحاضر اليوم لضغط هائل يُعرف بـ “انكماش الحاضر”. ففي بدايات الحداثة، كانت المهن والأنماط المعيشية تُورث عبر الأجيال (التغير بين الأجيال)، أما في الحداثة المتأخرة، أصبحت التحولات تقع داخل مسيرة حياة الفرد الواحد (التغير داخل الجيل). تتبدل المهن، وتتفكك المؤسسات، وتتغير العلاقات بوثيرة أسرع من قدرة الفرد على التكيف، مما يجعل أفق الانتظار والتوقع المستقبلي ضبابياً ومتقلصاً.
أما المستوى الثالث، والأكثر مساساً بالتجربة الذاتية، فهو “تسارع وتيرة الحياة”. يظهر هذا جلياً في محاولات الأفراد اليائسة لتكثيف الأفعال داخل وحدات زمنية محدودة. يتجسد ذلك في ظواهر يومية كتقليل ساعات النوم، الأكل السريع، والقيام بمهام متعددة في وقت واحد. يخلص روزا إلى أن هذا التسارع الثلاثي الأبعاد قد تحول إلى قوة قهرية، تصيغ البنيات المؤسسية من جهة، والممارسات اليومية الدقيقة من جهة أخرى، مما أسس لولادة “علم اجتماع الزمن” كحقل ضروري لفهم أزمات الإنسان المعاصر.











