شاشات مضاءة..و ملامح مظلمة

وأنا أُقلّب عينيّ في جولتي اليومية المعتادة بين منصات الهاتف، أشعر فجأة أنني لا أطالع نصوصاً مجردة بل أتجول بين طاولات عرض في سوق مزدحم، حيث الوجوه كلها معروضة للبيع بأسعار زهيدة…
المشهد اليومي عبر هذه النوافذ الزرقاء لم يعد مجرد تبادل للأخبار بل تحول إلى منصة عرض ضخمة، يختار فيها المرء المظهر الذي يشتهي أن يراه الناس فيه…. نرى رداء النبل فضفاضاً على أكتاف البعض ونلمح عمامة الحكمة فوق رؤوس لم تتذوق يوماً مشقة البحث ونتعثر بأثواب الطهر والورع منسوجة بكلمات منمقة بينما تتوارى خلف الكواليس زوايا معتمة مشحونة بالضغائن والخصومات الصغيرة….
الخطورة لا تكمن في رغبة الناس بالظهور في أفضل حالاتهم بل في تلك اللحظة التي يصدقون فيها العرض، فيتحول الوهم المشترك إلى حقيقة بديلة تحكم علاقاتنا….
وفي غمرة هذا التنافس أعود كل يوم لأكتب ما يجول في خاطري مشاركتي إياكم تحليل ما نمر به من قضايا اجتماعية تلامس وجداننا…. ولست هنا بصدد تقديم نفسي كشخصية مثالية نزهتها الأيام عن الأخطاء فما أنا إلا واحدة منكم، أعيش تفاصيلكم وأتقاسم معكم ذات العثرات غير أنني أحرص دوماً على وضع مرآة المراقبة أمام ذاتي أولاً لكي لا أسقط في فخ هذا الوهم الرقمي ولكي تظل الكلمات نابعة من ملامحي الحقيقية لا من قناع مزيف أصنعه لإرضاء الآخرين….
فالانزلاق إلى هذا التيار يسير وجاذب للغاية، وحين نمضي مع الزحام في هذا الفضاء نجد أنفسنا دون أن نشعر مدفوعين للانضمام إلى ذات اللعبة، نمتدح ما لا نفهم ونظهر وداً لا نستشعره رغبةً في مجاراة الجموع العابرة….
لقد تداخلت المظاهر المصنوعة بالحقائق العفوية حتى بات الفرز عسيراً وصار لزاماً على المرء أن يسائل نفسه بصدق قبل أن يغرق في تصديق كل ما يمر أمامه من ملامح مثالية، كي لا يستيقظ يوماً ليجد أن النقاء الذي استثمر فيه مشاعره وثقته لم يكن سوى سراب رقمي تبخّر عند أول اختبار حقيقي على أرض الواقع….
الغريب أننا نقضي الساعات في تصحيح صورنا أمام الغرباء بينما تذبل ملامحنا الحقيقية في العزلة…                بقلم منة راشدي