
اعترافات مثقف أمام فكرة الزواج.
يجلس المثقف وحيدا بين رفوف الكتب، تحاصره مؤلفات الفلسفة وعلم الاجتماع والروايات الروسية. يحمل فنجان قهوة برد منذ ساعتين، ليس لأنه نسيه، بل لأن فكرة واحدة كانت كافية لتوقف الزمن من حوله.يحدث نفسه بصوت مرتفع، كأنه يخوض مناظرة مع عقله:
الزواج؟ يا لسخافة السؤال… أو ربما يا لخطورته.أيعقل أن تختزل كل سنوات القراءة، وكل المعارك الفكرية، وكل الأسئلة التي أقلقتني، في عقد موثق ببصمتين وشاهدين؟ أيعقل أن تنتهي أحلامي في نقد السلطة، وتحليل الحداثة، وإعادة قراءة التاريخ، عند نقاش طويل حول لون الستائر أو نوع مفرش السرير؟ أنا لم أفهم نفسي بعد، فكيف سأفهم امرأة تختلف عني في كل تفاصيل العالم؟ امرأة قد ترى أن السعادة تبدأ بمشاهدة مسلسل تركي أو هندي، بينما أقضي أنا الليل كله أجادل فوكو، وأتشاجر مع نيتشه، وأحاول أن أجد عند كامو سببا جديدا لاحتمال عبث هذا العالم.
ثم ماذا بعد؟ صباحات مشتركة…غسيل مشترك…فاتورة كهرباء… مشتريات أسبوعية… وأين سأضع مكتبتي؟ هل سأضحي بكتب ميشيل فوكو من أجل خزانة ملابس أكبر؟ وهل سأقبل أن تبدأ مفاوضات منزلية تنتهي بكتبي داخل كراتين كتب عليها أشياء غير ضرورية؟ أي إهانة يمكن أن يتعرض لها مثقف أكثر من هذه ثم أتخيل المشهد…هي تقف أمام مكتبتي، تتأمل الرفوف المزدحمة، وتسأل ببراءة هل قرأت كل هذه الكتب؟ أجيبها بفخر معظمها… وبعضها أكثر من مرة.فتبتسم وتقول بكل عفوية ولماذا لا تبيعها؟ ستوفر لنا مساحة. في تلك اللحظة فقط، يكتشف المثقف أن الحضارات لا تسقط بالحروب وحدها، بل قد تنهار أيضا بجملة بريئة خرجت من شخص لا يعرف أن بعض الكتب ليست أوراقا، بل أعمار كاملة.
ثم أتذكرها…هي تقول إنها تحبني.لكنها لم تقرأ لي كتابا واحدا، ولم تسمع يوما بألبير كامو، وتعتقد أن سارتر اسم نوع من الجبن الفرنسي، وأن دوستويفسكي دواء يوصف لعلاج الأرق.
ومع ذلك…كلما تحدثت، كانت تنصت باهتمام.تضحك على نكاتي، رغم أنها لا تفهم نصفها.ولا تقاطعني إلا بسؤال بسيط:هل تناولت العشاء؟ وأقف عند هذا السؤال طويلا. كيف يمكن لجملة قصيرة كهذه أن تهزم آلاف الصفحات التي قرأتها عن الحب؟ كيف عجزت كتب الفلاسفة عن تعريف العاطفة، بينما نجحت امرأة بسيطة في اختصارها في سؤال واحد؟ ربما كنت أبحث عن الحب في المكان الخطأ. ربما لا يسكن الحب بين صفحات الفلسفة، ولا في هوامش الكتب، ولا في النظريات الكبرى. ربما يسكن في فنجان قهوة ساخن، وفي طبق عدس، وفي شخص يقلق إذا تأخرت، ويترك لك زاوية صغيرة في البيت لا يقترب منها، لأنها تعرف أن فيها كتبك وأحلامك.
وهنا يبدأ الشك الحقيقي…هل كنت أخاف الزواج لأنه يقيد الحرية؟ أم كنت أخاف أن يكتشف قلبي أن الحياة أبسط بكثير من كل التعقيدات التي صنعتها في رأسي؟ ربما ليست المشكلة في الزواج. وربما ليست المشكلة في المرأة.بل في المثقف الذي يريد للحياة أن تكون نظرية فلسفية متماسكة، بينما تصر الحياة على أن تكون أكثر عفوية، وأكثر دفئا، وأكثر إنسانية.أبتسم، أنظر إلى فنجان القهوة الذي أصبح باردا تماما، ثم أقول لنفسي: لا بأس…سأؤجل التفكير في الزواج إلى وقت آخر.لكن قبل ذلك، علي أن أنهي مقالي عن اغتراب المثقف في عصر الحداثة السائلة…وبعدها، ربما أبحث – من باب الفضول الفكري فقط – عن أسعار غرف النوم.
زكريا نمر












