بقلم محمد نبراس العميسي                                        عدتُ صباح اليوم إلى الدوام، ممتلئ شغف وأفيض حيوية. أخذت ثلاثة أيام إجازة وأنا أظن أنني سأستريح؛ لكن سرعان ما تسربت إليَّ الرتابة والملل، شعرت باللاجدوى وتورطت في روتين يكرر نفسه في اليوم الواحد: نوم، قراءة نهمة، كتابة. والآن، عند الانتهاء من كتابة هذه المقالة، سيكون دوامي قد أوشك على الانتهاء.

 

نمت ليلة البارحة وأنا أنتظر صباح الدوام – وهذه ليست مثالية مفرطة – إنما أنتظر التجديد على صعيد اليوم، التجديد في الروتين، والاستيقاظ مع الشمس في فضاء الله الكبير.

 

في الطريق إلى الدوام، ثمة مقولة فلسفية لآرثر شوبنهاور تفرض نفسها بقوة داخل رأسي: الوجود لعبة غامضة ينظر إلينا ونحن نركض وراء أسباب البقاء، فيضحك علينا حد القهقهة. أسقطت هذه المقولة عليَّ وأنا في الطريق، وتساءلت في سري: هل الوجود لعبة غامضة تضحك علينا بالفعل كما قرأت عند شوبنهاور؟ هل الوجود ينظر إليَّ وأنا ألهث الآن مسرعاً للحاق بوقت الدوام المحدد؟ هل الذي نعيشه نحن البشر على هذا الوجود مجرد لعبة ساخرة نبدأ فيها من الميلاد وننتهي منها بالموت؟ هل هذه الحياة محض فراغ نحاول تعبئته بالوظيفة، وبالناس، وبالعلاقات، وبالزواج، وبالإنجاب، ثم نعود من حيث أتينا ذات ميلاد؟

 

صحوت من هذه التساؤلات أمام بصمة الدوام. وقفت أمامها، ومددت لها إصبع الإبهام. في المرة الأولى لم تعرفني، وشعرت بالغرابة، وفي المرة الثانية ابتسمت لي، وقالت بكل رضا: شكراً.. بصمة ناجحة.

بدأت أضع قدمي على أول درجة للصعود إلى الدور الثاني، حيث الإدارة التي أعمل فيها، ومع الصعود بدأت أتساءل عن البصمة، عن تقنية مهذبة كثيراً، وفي ذروة الرقي والأخلاق، تمد إصبعك نحوها فتهمس لك: شكراً لك.. بصمة ناجحة.

والسؤال الأكثر إلحاحاً، والذي تبقى إجابته معلقة في الهواء: لماذا الذي صنع البصمة التي تميز صباحات الموظفين انحدر في أخلاقه إلى الهاوية، كما لو أنه نقل إليها فطرة الإنسان الأولى وتحوّل إلى آلة صماء؟.