
الذكاء الصناعي وعودة الشيوعية …
مقال للكاتب … أحمد السمان
الذكاء الصناعي وعودة الشيوعية …
كل ثورة تكنولوجية غيرت أدوات
الإنتاج، لكن الذكاء الاصطناعي قد يكون أول ثورة تغير صاحب الإنتاج نفسه. فحين يصبح الإنسان خارج العملية الاقتصادية، لن يكون السؤال: كيف نزيد الإنتاج؟ بل: لمن تعود الثروة؟ ومن هذه اللحظة يبدأ التاريخ في استدعاء الأفكار التي ظن العالم أنها ماتت.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ساد الاعتقاد بأن الرأسمالية حسمت المعركة إلى الأبد، وأن السوق الحرة أصبحت النهاية الطبيعية لتطور الاقتصاد البشري. لكن هذا الانتصار كان قائمًا على فرضية لم يناقشها أحد: أن الإنسان سيظل دائمًا هو العنصر الأساسي في الإنتاج.
اليوم، ينهار هذا الافتراض.
فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بمساعدة الإنسان، بل يتجه تدريجيًا إلى استبداله. إنه يكتب، ويبرمج، ويحلل، ويصمم، ويقود المركبات، ويشخص بعض الأمراض، ويتخذ قرارات كانت حكرًا على العقل البشري. وكلما تطورت هذه التقنيات، تقلصت الحاجة إلى العامل، وإلى الموظف، وإلى صاحب المهنة.
وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.
لقد بُني النظام الرأسمالي على علاقة واضحة: يعمل الإنسان، فيحصل على أجر، ثم يعود بهذا الأجر ليشتري السلع والخدمات التي ينتجها الاقتصاد. هذه الدورة هي التي صنعت الأسواق، وأنتجت النمو، وراكمت الثروات.
لكن ماذا يحدث عندما ينكسر هذا الرابط؟
ماذا يحدث عندما تصبح الآلة هي التي تعمل، بينما الإنسان يقف خارج سوق العمل؟ من أين سيأتي الدخل؟ ومن أين ستأتي القدرة الشرائية التي يحتاجها السوق ليستمر؟ إن الشركات تستطيع أن تستبدل موظفيها بالذكاء الاصطناعي، لكن لا تستطيع أن تستبدل المستهلكين. وإذا اختفى المستهلك، فإن أرباحها نفسها تصبح مهددة.
وهنا تعود قضية ظن العالم أنها أصبحت جزءًا من كتب التاريخ: ملكية وسائل الإنتاج.
في القرن التاسع عشر كانت وسائل الإنتاج هي الأرض والمصانع والآلات. أما في القرن الحادي والعشرين فقد أصبحت الخوارزميات، ومراكز البيانات، والقدرة الحاسوبية، والروبوتات. ومن يملك هذه الأدوات لا يملك مصنعًا واحدًا، بل قد يملك الاقتصاد بأكمله.
وهذا هو التناقض الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي. فكلما ازدادت قدرة الآلة على العمل، ازدادت قدرة مالكها على جمع الثروة، بينما تتراجع حصة الإنسان الذي كان في الماضي مصدر هذه الثروة. وإذا استمر هذا المسار، فقد يجد العالم نفسه أمام اقتصاد يحقق أرقامًا قياسية في الإنتاج، لكنه يعجز عن ضمان حياة كريمة لأغلبية الناس.
من هنا، قد تعود أفكار الاشتراكية والشيوعية إلى النقاش العام، ليس لأنها انتصرت على الرأسمالية في معركة فكرية، بل لأن الذكاء الاصطناعي يفرض أسئلة جديدة لم تعد الرأسمالية التقليدية قادرة على تجاهلها.
لكن عودة هذه الأفكار، إن حدثت، لن تكون نسخة من القرن العشرين. فلن يكون الصراع على ملكية المناجم والمصانع، بل على ملكية الذكاء الاصطناعي نفسه. ولن يكون السؤال: من يملك المصنع؟ بل: من يملك الخوارزمية التي تدير آلاف المصانع وتستغني عن ملايين العمال؟
وربما يكون العالم مقبلًا على مرحلة يصبح فيها الحديث عن الدخل الأساسي الشامل، أو الضرائب على الأتمتة، أو مشاركة المجتمع في عوائد الذكاء الاصطناعي، جزءًا من السياسات الاقتصادية اليومية، لا شعارات أيديولوجية.
إن المفارقة التاريخية تكمن في أن الرأسمالية قد تواجه أكبر تحدياتها ليس بسبب خصومها، بل بسبب أعظم اختراعاتها. فالذكاء الاصطناعي يمنحها قدرة غير مسبوقة على زيادة الإنتاج، لكنه في الوقت نفسه يهدد الأساس الذي قامت عليه، وهو وجود إنسان يعمل ويستهلك.
ولعل السؤال الذي سيحدد مستقبل القرن الحادي والعشرين ليس: إلى أي مدى سيصبح الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً؟ بل: لمن ستعود الثروة التي ينتجها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الاقتصاد فحسب، بل قد تحدد أيضًا ما إذا كانت البشرية ستشهد ميلاد رأسمالية جديدة، أو ظهور نظام اقتصادي مختلف يستعيد، بصيغة جديدة، بعض الأفكار التي قامت عليها الشيوعية عندما طالبت بأن تكون وسائل الإنتاج ملكًا للمجتمع، لا حكرًا على القلة.
قد لا تعود الشيوعية كما عرفها القرن الماضي، لكن السؤال الذي أنجبها لم يمت قط. واليوم، مع صعود الذكاء الاصطناعي، يبدو أن ذلك السؤال يطرق باب التاريخ مرة أخرى.
_____________________
رفعت للتصميم












