أبي لصّ.. 

أبي لصّ..

سرقَ عمر أمّي

ولم يُسلّمه أحدٌ لمخافرِ الشّرطة..

هنالك جرائمٌ لا يعاقبُ عليها القانون

كأن تُعَطِّلَ أمّي ضحكتها يومًا كاملاً

تُوقف حركة مُرور الفرح في فمها

حتّى يجتازَ أبي الطّريق سالمًا

نحو خيانةٍ جديدة..

أو كأن ترسلني أمّي للجارةِ المُقابلة

لأستعيرَ كوبًا من الطُّفولة

لأنّ أبي لا يقدر أن يوفّرها لنا..

 

هذا الفرح نجلسُ عليه منذ ولدنا

مثل كُرسيٍّ واحدٍ بالبيت

يتزاحمُ عليه ستّة أفراد..

تسحبهُ أمّي من أسفلنا

كلّما داهمتنا جارةٌ أو قريبةٌ للزّيارة..

فقراء جدًّا نحن

حتّى أنّنا لا نجد ما نقدّمه للضُّيوف

سوى آخر مكانٍ ضحكنا فيه..

 

لا زالتْ أمّي مُقتنعة

أنّ الحزن العالقَ في الجَوّ

رائحةُ سمكٍ من فطورِ الأمس..

تشعلُ اللّبان والبخور،

تُغلّي الهيل وشوش الورد،

لأنّها تخجلُ أن تمرَّ بنا إحدى الجارات

فتشمَّ علينا خبرًا سيّئًا

أو دعوةً مردودة..

 

كان على أمّي أن تفتحَ في قُلوبنا

ثُقوبًا كثيرةً للتّهوئة

حتّى لا يتّهمنا أحدٌ بقلّةِ النّظافة..

مرَّ الظّلام والبرد والغبار

إلاّ الهواء:

لازلنا ننتظر أبي أن يُناولنا بعضًا منه

كلّما هبَّ على القريةِ جلبابُه..

 

يدخلُ أبي البيتَ بعد العمل

مُشمّرًا ذيل جلبابه

كي لا يتّسخ بما نزلَ من الأنابيبِ الرّاشحة

ومن عينيْ أمّي..

أبي الذي ٱشتغلَ عمرهُ كلّه سبّاكًا

لازال لا يعرف كيف يحبسُ دمعةَ ٱمرأةٍ

في مِحجرها

حتّى لا تفيضَ على كاملِ البيت

وتُبلّلَ بقيّة يومنا..

منذ ولدنا والعمرُ يلبسُ حذاءً مبلّلا

من كثرةِ ما جرى من دمعِ أمّي..

حتّى الحزن مُتمرّسٌ بالسّباحة:

لقد تدرّبَ الوقت كلّه

داخل أعيننا..

 

هنالك جرائمٌ تحدثُ رغمًا عنّا

كأن لا يوجد في عائلتنا أب..

هنالك رجلٌ يعيش معنا بلقبٍ مسروق

مثل لوحةِ قيادة..

بينما السّيّارة مدهوسةٌ من ثلاثين سنة..

تُدير فيها أمّي ضحكاتها

من حين لحين

فقط حتّى تُقنعنا أنّها تعمل..

 

هاجر الرّقيق

للرسّامة الأرمنيّة Liana Asatryan)

رفعت للتصميم