علم الله بالجزيئيات: ابن سينا ضد أرسطو

عندما تسقط ورقة خريف ذابلة من غصن شجرة مجهولة في غابة نائية، هل يدرك المبدأ الأول للكون سقوطها في تلك اللحظة بالذات؟ هذا التساؤل الدقيق يلامس واحدة من أعمق إشكاليات الفلسفة الإلهية: طبيعة الوعي الإلهي ومداه. كيف يمكن للخالق، المنزه عن التغيير والزمان، أن يعلم بتفاصيل عالم مادي متغير ومتقلب دون أن يتأثر كماله بهذا التغيير؟

 

في الفلسفة اليونانية، حسم أرسطو هذه المسألة استناداً إلى مفهوم الكمال المطلق للعلة الأولى. يرى أرسطو أن الإله لا يعقل ولا يدرك إلا نفسه، لأنه أسمى الموجودات والكمال المطلق. الإدراك هو نوع من التأثر، وعلم الله لا يمكن أن يتأثر بالأحداث اليومية المتغيرة والتفاصيل الجزئية المحدودة بالزمان والمكان، لأن ذلك يعني انتقال علمه من حالة إلى أخرى، وهو ما يتنافى مع الكمال الإلهي المجرد والثابت. لذا، الفلسفة الأرسطية تجرد الإله من معرفة “الجزئيات”.

 

أما ابن سينا، فقد خاض غمار هذه المعضلة محاولاً تقديم حل فلسفي غير مسبوق يثبت علم الله بالجزئيات ولكن بشروط صارمة. يقرر ابن سينا أن الله يعلم كل ما يقع في ملكه من جزئيات، ولكن “على نحو كلي”. ما معنى ذلك؟ يرى ابن سينا أن الله لا يعلم الحوادث من خلال المراقبة الحسية الزمنية (كأن يرى الحدث أثناء وقوعه كما يراه البشر)، بل يعلمه لأنه العلة الأولى والمبدأ الأساسي لكل الأسباب. بما أن الله يعلم ذاته، ويعلم كل القوانين والعلل الكلية التي صدرت عنه منذ الأزل، فإنه يعلم بالضرورة وحتمية المنطق كل النتائج الجزئية التي ستترتب على هذه العلل. علمه ثابت منذ الأزل لا يختلف قبل وقوع الحدث ولا بعده، فهو علم محيط غير محدود بزمان، يختلف جذرياً عن علم الإنسان المحدود.

 

لم يشفع هذا الحل العبقري لابن سينا أمام المحاكمة اللاهوتية. فقد شنت المؤسسة الدينية السنية، متمثلة في الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه “تهافت الفلاسفة”، هجوماً حادا على ابن سينا، وكفرته صراحة بسبب مقولته إن “الله يعلم الجزئيات كليات”. يرى المتكلمون أن هذا الطرح الفلسفي يسلب الله صفة “العليم” بمعناها الحقيقي والمباشر، ويقيد علم الله بنظام سببي آلي، معتبرين أن الله يعلم التفاصيل والجزئيات علم إحاطة مباشراً ومفصلاً في ذات اللحظة دون أن يعتري ذاته أي نقص أو تغيير، وأن المنطق الفلسفي قاصر عن تقييد الذات الإلهية.

 

الصفحة الرسمية سالم يفوت