البعث والمعاد: بين الغزالي وابن رشد

كتب سالم يفوت.                                                     ماذا يتبقى من الإنسان بعد الموت؟ وهل تعود الروح إلى ذات الجسد الذي بلي وتحلل في التراب، أم أن للخلود شكلاً آخر؟ كاتت هذه الأسئلة ساحة لواحدة من أشرس المعارك العقائدية التي هددت بتكفير العقل الفلسفي بأسره. لقد شكلت إشكالية “البعث والمعاد” نقطة الصدام المركزية بين اللاهوت التقليدي (علم الكلام) والفلسفة المشائية، وهي المعركة التي بلغت ذروتها في الجدل التاريخي المحتدم حول مصير الأجساد يوم القيامة.

 

في الضفة الأولى من هذا الصدام، يقف الإمام أبو حامد الغزالي ممثلاً للرؤية الكلامية الأشعرية. شن الغزالي هجوماً تكفيرياً صارماً على الفلاسفة (وعلى رأسهم ابن سينا والفارابي) في كتابه الشهير، معتبراً أن إنكار الفلاسفة للبعث الجسماني (المعاد الجثماني) هو خروج صريح عن ملة الإسلام. استند هذا الموقف إلى التمسك بحرفية النصوص القرآنية التي تصف الجنة والنار بأوصاف حسية مادية دقيقة (أنهار، ثمار، عذاب مادي). بالنسبة للمتكلمين، قدرة الله المطلقة لا يعجزها إعادة جمع ذرات الجسد المتحللة وتركيبها من جديد لتعود الحياة إلى نفس الهيكل المادي الأول، وأي تأويل لهذه النصوص يفرغ الثواب والعقاب من معناهما الرادع للجماهير.

 

في الضفة المقابلة، تصدى الفيلسوف الأندلسي ابن رشد لرد هذا الهجوم وتفكيكه، محاولاً إيجاد مساحة عقلانية تمنع التصادم المباشر بين الشريعة والحكمة. لم ينكر ابن رشد مبدأ الخلود أو البعث كما أشيع عنه، بل نقل النقاش من حيز “الإنكار” إلى حيز “الكيفية”. طرح ابن رشد مقاربة قائمة على الفهم المقاصدي للنصوص؛ حيث يرى أن الشريعة تخاطب كافة مستويات العقول، ولما كان الجمهور العريض (العوام) لا يستطيع استيعاب فكرة اللذة أو الألم الروحي المجرد، استخدم الوحي لغة التشبيه الحسي والمجاز المادي لتقريب المعنى وتحقيق الغاية الأخلاقية من الدين، وهي الترغيب والترهيب.

 

من الناحية الفلسفية والأنطولوجية، دافع ابن رشد عن فكرة أن الروح تخلد، لكن عودتها إلى “نفس” الجسد الدنيوي بدقائقه وذراته القديمة يمثل إشكالية عقلية. المادة في العالم الدنيوي تخضع لقوانين الكون والفساد والاستحالة، وما فسد وتلاشى لا يعود بعينه وفقاً للقواعد الطبيعية. وبناءً عليه، يميل التفسير العقلاني إلى أن الخلود هو خلود روحاني في جوهره، وإذا افترضنا وجود شكل من أشكال التجسد في الآخرة، فإنه سيكون في أجساد “من نوع آخر” أو “أمثال” تتناسب مع طبيعة ذلك العالم المفارق، لا في نفس الأجساد الطينية التي أكلها التراب.

 

تمثل هذه الإشكالية نموذجاً مكثفاً للصراع الأزلي بين سلطة “الظاهر” النصي الذي يطمئن إليه النقل، وسلطة “التأويل” المجازي الذي يقتضيه العقل. وفي قلب هذا النزاع، تبقى محاولة ابن رشد شاهدة على سعي العقل الفلسفي المستميت للحفاظ على قدسية الوحي دون التضحية بالمنطق والبراهين العقلية.