“خريف الأحلام”: جيل الثلاثينات بين وعد لم يتحقق وواقع لم يُفهم.

بقلم: شيما فتحي

إن أخطر ما يواجهه الكاتب، ليس غياب الحقيقة، بل حضورها العاري دون غلاف من الأمل.  

واليوم، والحقيقة تقول إننا أمام جيل عربي كامل يقف على حافة العقد الرابع من عمره، ليكتشف أن الخريطة التي تسلمها في مطلع شبابه لم تكن تطابق تضاريس الواقع.

 

في البداية، لا بد من تقرير حقيقة أولى: إن التاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم، بل يكتبه أيضاً أولئك الذين عبروا الجسر بين الحلم والواقع فوجدوا الهوة سحيقة.

 

هذا هو حال “جيل الثلاثينات” في مصر والعالم العربي الآن. جيلٌ وُلد مع انفتاح الألفية الجديدة، وتشكل وعيه الأول على وعود العولمة، وثورة الاتصالات، ونهاية التاريخ كما بشّر بها فوكوياما. قيل لهذا الجيل، بلسان صريح أو ضمني، إن العالم أصبح قرية صغيرة، وإن الفرصة متاحة لكل مجتهد، وإن المعادلة واضحة: تعليم جيد + عمل دؤوب = حياة كريمة.

 

اليوم، يقف هذا الجيل على مشارف العقد الرابع من عمره، ليكتشف أن المعادلة كانت ناقصة. وأن هناك متغيرات لم تُدرج في الحساب.

 

 أولاً: في تشخيص الوهم الكبير  

لقد تربى هذا الجيل في ظل ما يمكن تسميته “أوهام ما بعد الحرب الباردة”. وهم أن الشهادة الجامعية هي جواز سفر إلى الطبقة الوسطى. وهم أن السوق الحر سيكافئ الكفاءة وحدها. وهم أن الفرد قادر على تشكيل مصيره بمعزل عن حركة الاقتصاد الكلي وموازين القوى.

 

كانت النتيجة أن جيلاً بأكمله دخل إلى سوق العمل في لحظة تحول تاريخي: الأزمة المالية العالمية 2008، ثم ثورات الربيع العربي وتوابعها الاقتصادية، ثم جائحة كورونا، ثم موجات التضخم غير المسبوقة. كل عشر سنوات كانت تحمل لهذا الجيل صدمة كبرى تعيد تعريف قواعد اللعبة وهو في منتصفها.

 

 ثانياً: في محضر الاعترافات.. بالأرقام الصامتة 

لو أردنا أن نرصد “اعترافات” هذا الجيل بلغة الأرقام، لوجدناها كالتالي:  

• “متوسط سن الزواج” ارتفع إلى ما فوق الثلاثين، ليس رفاهية، بل لأن تكلفة تأسيس بيت أصبحت تفوق طاقة مرتبين.  

• “معدل الادخار” لدى هذه الشريحة يكاد يكون سالباً، فالمعركة اليومية هي معركة البقاء، لا معركة بناء الثروة.  

• “الهجرة” لم تعد حلماً، بل صارت خياراً اضطرارياً. والعجيب أن من يهاجر اليوم ليس العاطل، بل الكفاءة التي يئست من عدالة الفرص.

 

هذا الجيل هو الذي يملأ المقاهي ليلاً لا ترفاً، بل هروباً من جدران شقة إيجارها يلتهم نصف الدخل. وهو الذي يوثق “نجاحاته الصغيرة” على وسائل التواصل، لأن النجاحات الكبيرة أصبحت ذكرى من زمن آخر.

 

  ثالثاً: المسؤولية: بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي.. من يدفع الثمن؟ 

إن السؤال الساذج هو: “هل فشلنا أم كذب الواقع؟”. أما السؤال الحقيقي فهو: “كيف اختلت الموازين إلى هذا الحد؟” هنا يجب أن نحترس من التبسيط. فالقول إن “الواقع كذب” وحده، فيه قدر من الهروب. والقول إن “الجيل فشل” وحده، فيه قدر من القسوة.

 

الحقيقة أن هناك “اختلالاً بنيوياً” بين ما تم الوعد به، وما تم توفيره من أدوات.  

لقد طُلب من هذا الجيل أن يلعب مباراة القرن الحادي والعشرين، بقوانين القرن العشرين، وفي ملعب لم يكتمل بناؤه أصلاً.

 

الدولة تراجعت عن أدوارها التقليدية في التوظيف والإسكان، والسوق لم يكن ناضجاً ليعوض هذا التراجع بعدالة. فوجد الشاب نفسه مطالباً بأن يكون “رائد أعمال” وهو لا يملك رأس المال، وأن يكون “مرناً” وهو لا يملك شبكة أمان اجتماعي.

 

وفي المقابل، فإن قطاعاً من هذا الجيل استسلم مبكراً لفكرة “الحظ”، وأدمن ثقافة الشكوى، وانتظر “الفرصة الكبرى” التي لا تأتي، بدلاً من أن يصنع فرصاً صغيرة متراكمة.

 

 رابعاً: ما العمل؟.. من رثاء الأحلام إلى إدارة الواقع

إن الدرس الأكبر الذي يجب أن يعيه هذا الجيل، هو أن النجاح لم يعد خطاً مستقيماً صاعداً، بل هو “قدرة على التكيف والبقاء”.  

الحل يكمن في “إعادة تعريف النصر”.  

إن البطولة الحقيقية اليوم ليست في الوصول إلى القمر، بل في عدم الغرق في بحر المتطلبات اليومية. البطولة هي أن تظل واقفاً، مسؤولاً، قادراً على أن تعول أسرة، وأن تربي جيلاً جديداً، في ظل ظروف هي الأصعب منذ الحرب العالمية الثانية.

 

لا بد من إعادة تعريف “الحلم”. الحلم لم يمت، لكنه تغير. لم يعد شقة تمليك وسيارة فارهة، بل صار “الستر”، وصار “راحة البال”، وصار “ألا تنكسر عينك أمام أبنائك”.

 

 كلمة أخيرة: جيل لم يفشل.. بل نجا

إن التاريخ عندما يكتب عن هذه المرحلة، لن يصف جيل الثلاثينات بأنه “جيل فاشل”. بل سيصفه بأنه “جيل النجاة”.

 

لقد عبر هذا الجيل حقول ألغام اقتصادية وسياسية واجتماعية، وبقي متماسكاً في معظمه. لم يصل إلى ما حلم به، نعم. لكنه لم يسقط. وهذه في حد ذاتها شهادة.

 

إن الاعتراف بأن “الأحلام كانت أكبر من الواقع” ليس هزيمة، بل هو بداية النضج. والنضج هو أن تتصالح مع حقيقة أنك قد لا تملك العالم، لكنك تملك قرار ألا يهزمك العالم.

 

أسدل الستار على عصر الأحلام الرومانسية. وافتتح التاريخ فصلآ جديداً اسمه: إدارة الخسائر بشرف. ولمن لا يعلم.. هذا أيضاً نضال.