مسافة السكة… مش شيك على بياض

كتب خيرت  شكري.                                                     يبدو أن بعض دول الخليج فهمت عبارة «مسافة السكة» بطريقة مختلفة تمامًا عن معناها الذي قصده المصريون.

 

«مسافة السكة» لا تعني أن مصر ستخوض حربك بدلًا منك، ولا تعني أن قرارك الخاطئ يصبح التزامًا مصريًا، ولا تعني أن تورطك في أزمة صنعتها حساباتك الخاصة يمنحك الحق في أن تطلب من القاهرة أن تدفع الثمن بدلًا منك.

 

مصر عندما تقول إنها إلى جانب أشقائها، فهي تعني أنها لن تقف متفرجة إذا تعرض أمنهم للخطر. ويمكن أن تقدم دعمًا سياسيًا، واستخباراتيًا، ولوجستيًا، وأن تساهم بقوات جوية أو بحرية عندما تقتضي الضرورة، وأن تتحرك بما يحمي مصالحها ومصالح المنطقة.

 

لكن هناك فارقًا هائلًا بين المساندة وبين خوض الحرب نيابة عن الآخرين ، وهنا تحديدًا يجب فهم معنى “مسافة السكة ” .

 

فمصر ليست مرتزقًا عسكريًا عند أحد، وليست قوة احتياط تُستدعى كلما أخطأ طرف في حساباته. الجيش المصري جيش دولة، ومهمته الأولى حماية الأمن القومي المصري، وليس إنقاذ أي دولة من نتائج قرار لم تشارك مصر في اتخاذه.

 

ولعل التجربة اليمنية تقدم المثال الأكثر وضوحًا ، فعندما دخل التحالف العربي في مواجهة الحوثيين في اليمن، قدمت مصر دعمًا في إطار التحالف، وشاركت بقدرات بحرية وجوية، وساهمت في حماية الملاحة والأمن الإقليمي. لكن القاهرة لم ترَ أن هذا يعني إرسال قوات برية مصرية إلى اليمن لخوض حرب مفتوحة ومعقدة نيابة عن الآخرين.

 

ولم يكن ذلك تخلّيًا عن الأشقاء، كما قد يحاول البعض تصويره، بل كان فهمًا للتاريخ ولطبيعة الحروب ولحدود القوة والمصلحة.

 

فمصر تعرف اليمن جيدًا ، وتعرف أن الجغرافيا اليمنية ليست ملعبًا سهلًا، وأن الحرب البرية هناك لها حسابات مختلفة تمامًا عن إرسال طائرات أو سفن. وتعرف أيضًا أن من يدخل حربًا برية في بلد آخر يجب أن يعرف قبل دخوله كيف سيخرج منها.

 

وهذه ليست جبنًا ولا تخاذلًا ، هذه دولة تعرف قيمة دم جنودها، وتعرف أن قرار الحرب ليس مجاملة سياسية.

 

لذلك، عندما تقول مصر «مسافة السكة»، فالمقصود ليس: اطمئن، سنأتي لنحارب بدلًا منك.

 

المقصود هو لن نتركك وحدك إذا تعرض أمنك لخطر حقيقي، وسنقف إلى جانبك بما يتوافق مع قدراتنا ومصالحنا وأمننا القومي.

 

” مسافة السكة ” ليست شيكًا على بياض ، وليست تفويضًا مفتوحًا ، وليست التزامًا بأن ترسل مصر قوات برية إلى أي حرب يقررها غيرها.

 

مصر تحديدًا لا تحتاج إلى إثبات شجاعتها لأحد. تاريخها العسكري أكبر من أن يحتاج إلى شهادة من أحد، وجيشها خاض حروبًا دفاعًا عن أرضه وأمنه ووجوده، وليس بحثًا عن مغامرات خارج حدوده.

 

ومن هنا، فإن أفضل نصيحة يمكن أن تُفهم بها العبارة هي:

 

إذا احتجت مصر، ستجدها.

لكن إذا تورطت وحدك، فلا تطلب من مصر أن تتورط معك.

 

ساعدناك بالطيران، وساعدناك بالبحر، ووقفنا سياسيًا إلى جوارك، لكن هذا لا يعني أننا سنرسل أبناءنا إلى حرب برية لأنك لم تحسب خطواتك جيدًا.

 

هذه هي «مسافة السكة».

 

أما أن تُفهم باعتبارها : ” أنا أقرر، وأنت تحارب ” فهذه ليست مسافة السكة ، هذه ببساطة مسافة سوء التقدير ، والفارق بين الاثنين… كبير جدًا .

رفعت للتصميم