“من ثمارِهم تعرفونَهم”

سيرتُنا ثمرةُ مسيرتِنا

 

جميلٌ أنْ تعيشَ مُنعَّمًا بالمالِ والجاهِ، لكنَّ الأجملَ أنْ تعيشَ بنعمةِ المحبّة.

كم هي عظيمةٌ محبّةُ اللهِ حين تأتيكَ من كلِّ مَن حولكَ!

حين يجعلُكَ المتعبونَ كتِفًا يَتّكئونَ عليه، ويتنفّسونَ بعمقٍ وهم يشكونَ إليكَ همومَهم، وتملكُ من الهدوءِ ما يكفي لتهدئةِ غضبِهم.

لطالما رُزقتُ مالًا، فزالتْ سعادتي به بزوالِ صرفِه، ولطالما أسعدَني ثناءٌ على معروفٍ صنعتُه، ثمّ أثقلَني شعورٌ بأنْ يتحوّلَ العطاءُ إلى عبءٍ على مَن تَلَقّاه. لذٰلك لم تكنْ سعادتي تكتملُ إلّا بالمحبّةِ الخالصةِ، من دونِ أنْ يشعرَ الآخرُ أنَّ لي عليه مِنّةً.

كنتُ أدركُ أنَّ اللهَ وهبَ النّاسَ نعمةَ قراءةِ القلوبِ، حتّى ولو كانوا أُمِّيّينَ، فهم يعرفونَ إنْ كانتِ اليدُ تمتدُّ لتُسندَهم، أمْ لتُذَكّرَهم يومًا بأنّها أسندتْهم. لذٰلك كنتُ أريدُ لعطائي أنْ يصلَ خفيفًا، كأنّهُ رزقٌ ساقَه اللهُ إليهم، لا فضلًا منّي عليهم.

وكنتُ أؤمنُ أنَّني لم أرثِ الطيبةَ إرثًا من اللهِ، ولا اشتريتُ بالمالِ بيئةً صالحةً، ولا اخترتُ عِلْمي أو جَمالي أو ما أُوتيتُ من صفاتٍ، فكلُّ ذٰلك منحةٌ، لا استحقاقٌ.

ولهٰذا سَعَيتُ إلى استهلاكِ ما وهبني اللهُ في سوقِ المجّانِ، تطبيقًا لقولِ السّيّدِ المسيحِ: “مجّانًا أخذتُم، مجّانًا أعطوا”.

فإنْ وَهبني عِلمًا نفعتُهُ، وإنْ وَهبني قلبًا رحيمًا رحمتُه، وإنْ وسّعَ عليَّ في العطاءِ أعطيتُ دونَ أنْ أستعلي، وإنْ جعلَني موضعَ ثقةٍ حفظتُ ما اؤتُمنتُ عليه.

وكلّما زادني اللهُ صبرًا ووداعةً، خجلتُ من ثروتِه الّتي أنعمَ بها عليَّ، فلم أكنْ أراها فضلًا يرفعُني على النّاسِ، بل أمانةً تبحثُ عن مسربٍ.

لذٰلك حاولتُ أنْ أصرفَها قبلَ أنْ تتكدّسَ في سيرةٍ ذاتيّةٍ فانيةٍ، أنْ يتحوّلَ الصّبرُ إلى احتمالٍ، والوداعةُ إلى أمانٍ، والعلمُ إلى نفعٍ، والمالُ إلى سترٍ، والمحبّةُ إلى مأوًى.

ولم أؤمنْ يومًا أنَّ الإنسانَ جزيرةٌ مكتفيةٌ بنفسِها، فقد جعلَ اللهُ النّاسَ للناسِ، وجعلَ في القربِ منهم أبوابًا لا تنفتحُ في العُزلةِ.

كنتُ أراهُم غايةً من غاياتِ سعادتي، وسُوقًا لاستهلاكِ نعمِ اللهِ الّتي أودعَها فيَّ. فما جدوى صبرٍ لا يصبرُ على أحدٍ، ووداعةٍ لا تُطَمئِنُ مُتعَبًا، وعلمٍ لا ينفعُ، ومالٍ لا يسترُ، وقلبٍ يحبُّ ولا يجدُ مَن يُحبُّه؟

كنتُ أبحثُ عنِ الناسِ لا لأستهلكَهم، بل لأستثمرَ فيهم نعمَ اللهِ، وأوزّعَ ما وهبَني على أيّامِهم، لعلَّ شيئًا ممّا أعطيتُه يتحوّلُ، على أيديهم، إلى فرحٍ.

وحيثُ إنّنا في العطاءِ ننمو، فقد نَمَوتُ في بثِّ السّكينةِ، وطولِ الأناةِ، والقيامِ بواجبي المهنيِّ بإخلاصٍ. وكانت السّعادةُ الّتي وهبَني اللهُ إيّاها تمنحُني جمالًا لا تستطيعُ مساحيقُ الزّينةِ أنْ تمنحَه، ولا مرآةٌ أنْ تحفظَه، جمالًا لا يَستقرُّ على الوجهِ، بل يفيضُ منه، ولا تراهُ العينُ وحدَها، بل تستشعرُه القلوبُ.

وعرفتُ أنَّ أجملَ ما يفعلهُ العطاءُ بنا أنّه لا يُنقِصُنا، إنّهُ يُخفِّفُنا من أثقالِ أنفسِنا، ويتركُ في أرواحِنا شيئًا من نورِ الّذين كنّا سببًا في طَمأنينتِهم.

فما جدوى أنْ تمتلئَ سيرتُنا بما وهبَنا اللهُ، ثمّ نرحلَ دونَ أنْ يكونَ لِنِعَمِهِ أثرٌ في حياةِ أحدٍ؟

ولعلَّ أجملَ شكرٍ للنعمِ ألّا نتحدّثَ عنها، بل أنْ نتركَها تَعبُرُ من خلالِنا إلى الآخرين، حتّى إذا انقضَتْ أعمارُنا، بقيَ في سيرةِ أحدِهِم شيءٌ من لُطفِنا، وفي قلبِ آخرَ شيءٌ من سَكينتِنا، وفي ذاكرةِ ثالثٍ دعاءٌ لا نعلمُ أنّه خَرجَ من أجلِنا.

أغنى ما في سيرتِنا ليس ما وهبَنا اللهُ، بل ما جَعلناهُ مِن هباتِه في حياةِ الآخرين.

أمّا أنا فلا أدّعي أنّني أتمَمتُ هٰذه السّيرةَ في نفسي، ولا أنّني صِرْتُ ما تمنّيتُ، فما زلتُ أتعثّرُ وأُقصِّرُ وأتعلّمُ.

لٰكنّني ما زلتُ أحاولُ…

أحاولُ أنْ أبنيَ مجدًا في السّماءِ لا يزولُ، وقيمةً لا تفنى، وجمالًا لا يشيخُ، وثروةً لا تنفذُ.

عايدة قزحيّا

من “مقالاتي”

رفعت للتصميم