حروف متشابكة

ريم العبدلي – ليبيا

 

منذ سنوات، كانت ندى تشعر أن شيئا ما داخلها قد تغير، شيئا لا تستطيع أن تمنحه اسما واضحا، ولا تعرف متى بدأ، ولا كيف استطاع أن يكبر في داخلها حتى أصبح جزءا من يومها،

كانت تستيقظ كل صباح وكأنها تحمل فوق كتفيها عمرا كاملا من الحكايات، تنظر إلى المرآة، فتجد وجها هادئا لا يشبه الفوضى التي تسكن قلبها، تبتسم لمن حولها، تتحدث، تضحك أحيانا، وتبدو للجميع وكأنها بخير، لكنها لم تكن بخير، كانت هناك حكاية طويلة تخفيها خلف ابتسامتها، وحكايات كثيرة لم تجد يوما الشجاعة الكافية لترويها،

في إحدى الليالي، وقفت ندى أمام نافذتها، والمدينة غارقة في هدوء يشبه النوم. كانت السماء ملبدة بالغيوم، والهواء يحرك ستائر غرفتها،

جلست قرب النافذة، وأخرجت ورقة بيضاء وقلما احتفظت به لسنوات، نظرت في الورقة طويلا، كانت بيضاء تماما، لكنها شعرت أنها تحمل كل ما عجزت عن قوله.

قالت في نفسها: لو استطعت أن أكتب حياتي من جديد، هل سأختار الطريق نفسه؟

لكنها لم تجد جوابا

وضعت رأسها بين يديها، وأغمضت عينيها، فعادت إليها السنوات دفعة واحدة،

تذكرت طفولتها، حين كانت تظن أن الحياة بسيطة، وأن الناس يشبهون قلوبهم، وأن من يحبك لن يؤذيك، وأن من يقول لك أنا بجانبك سيبقى فعلا إلى جانبك.

كانت صغيرة عندما تعلمت أن بعض الوعود لا تعيش طويلا، كبرت ندى، وكبرت معها خيباتها.

في كل مرة كانت تمنح ثقتها لأحد، كانت تخسر جزءا من قلبها. وفي كل مرة كانت تقول هذه المرة ستكون مختلفة، لكن الأيام تثبت لها أن الاختلاف ليس دائما في الأشخاص، بل في الطريقة التي نراهم بها.

ومع مرور الوقت، أصبحت أكثر صمتا، لم تعد تسأل كثيرا، لم تعد تعاتب، ولم تعد تبحث عن تفسيرات للأشياء التي تؤلمها، كانت فقط تنسحب بهدوء،

لكن الانسحاب لم يكن شفاء،

كان مجرد طريقة أخرى لإخفاء الألم،

في إحدى مراحل حياتها، دخل شخص إلى عالمها بطريقة لم تكن تتوقعها، لم يكن الأمر في البداية قصة حب، ولم تكن ندى تبحث عن الحب، كان مجرد حضور مختلف، شخص استطاع أن يجعلها تتحدث بعد سنوات من الصمت، ويضحكها في الأيام التي كانت تظن فيها أن الضحك لم يعد يشبهها، كان يعرف كيف يقترب منها دون أن يخيفها، وكيف يسأل عنها دون أن يشعرها بأنه يتطفل على عالمها.

شيئا فشيئا، وجدت ندى نفسها تنتظر حديثه، وتبحث عن كلماته، وتفرح برسائله الصغيرة، كانت تخاف من الاعتراف لنفسها بما يحدث

كانت تقول: لا، لا أريد أن أتعلق

لكن القلب لا يستأذن العقل عندما يقرر أن يحب، بدأت المساحة الصغيرة التي أخفتها ندى في قلبها تتسع، ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أن هناك مكانا يمكنها أن تستريح فيه، لكنها لم تكن تعرف أن بعض الأماكن التي نلجأ إليها بحثا عن الأمان قد تكون هي نفسها التي تترك فينا أكبر الجروح،

مرت الأيام، وأصبحت ندى أكثر تعلقا، كانت ترى في كل كلمة منه وعدا، وفي كل اهتمام أمانا، وفي كل لحظة جميلة مستقبلا يمكن أن تعيشه، لم تكن تطلب الكثير، كانت تريد الصدق فقط،

كانت تريد شخصا لا يجعلها تشك في نفسها، ولا يجعلها تسأل كل ليلة: هل ما أشعر به حقيقي؟

لكن شيئا ما بدأ يتغير، كلماته أصبحت أقل، حضوره أصبح متقطعا، والاهتمام الذي اعتادت عليه أصبح يأتيها على فترات، وكأنها لم تعد أولوية في حياته.

حاولت أن تتجاهل الأمر،

قالت لنفسها:ربما هو مشغول.

ربما يمر بظروف

ربما أنا أبالغ

لكن القلب يعرف أحيانا ما يحاول العقل إنكاره، وفي ليلة طويلة، جلست ندى وحدها، وأدركت أن شيئا انكسر.

لم يكن هناك شجار، لم تكن هناك كلمة أخيرة، لم يحدث شيء يمكنها أن تشير إليه وتقول:هنا انتهت الحكاية،

وهذا كان أكثر ما يؤلمها، أن بعض النهايات لا تأتي بإعلان، بعضها يحدث بصمت، استيقظت ذات صباح وتكتشف أنه أصبح غريبا تماما، مرت الشهور، حاولت ندى أن تنسى، حذفت بعض الأشياء، وأغلقت أبوابا، وأبعدت نفسها عن أماكن وذكريات كانت تربطها بالماضي،

لكن النسيان لم يكن بهذه السهولة، كانت التفاصيل الصغيرة تخونها، أغنية تعيد إليها صوتا، مكان يعيد إليها موقفا، رائحة عطر تجعل قلبها يخفق للحظات، كلمة عابرة تجعلها تتوقف عن الحديث، كانت تكتشف أن الإنسان لا ينسى الأشخاص فقط، بل ينسى نفسه معهم أحيانا،

وفي كل مرة كانت تحاول فيها أن تبدأ من جديد، كانت تجد جزءا منها لا يزال واقفا عند الماضي، كانت تبكي أحيانا دون سبب واضح، وفي أحيان أخرى، كانت تضحك أمام الآخرين ثم تدخل غرفتها وتغلق الباب خلفها لتسمح لدموعها بالخروج، لم تكن تريد شفقة أحد، ولم تكن تريد أن يسألها أحد: ماذا بك؟

لأنها لم تكن تعرف كيف تشرح،

كيف يمكن أن تخبرهم أن قلبها متعب من أشياء لم تحدث أمامهم؟

كيف تشرح لهم أن بعض الجروح لا يراها أحد؟

ذات مساء، أخرجت ندى دفترها،

كان الدفتر مليئا بمحاولات الكتابة التي بدأت بها ثم توقفت،

فتحت إحدى الصفحات،

وجدت جملة كتبتها قبل سنوات:

سأكون بخير

ابتسمت بحزن وقالت:

كم مرة قلت هذه الجملة وأنا لم أكن بخير؟

قلبت الصفحة وجدت جملة أخرى: لن أثق بأحد بعد اليوم.

ضحكت هذه المرة، كانت تعرف أنها كذبت على نفسها أيضا

فالإنسان مهما تألم، يبقى داخله جزء صغير يريد أن يصدق أن الخير موجود، وأن هناك شخصا ما قد يأتي يوما ولا يخذله.

أغلقت الدفتر، ثم فتحت ورقة جديدة كتبت فيها :أنا ندى

وتوقفت

ثم كتبت: أنا امرأة أتعبها الانتظار

توقفت مرة أخرى،

ثم كتبت: أناامرأة حاولت أن تكون قوية حتى نسيت كيف تطلب المساعدة

بدأت الدموع تنزل من عينيها، لم تمسحهاهذه المرة، واصلت الكتابة أنا التي ضحكت كثيرا حتى لا يسأل أحد عن دموعي، وأنا التي صمتت طويلا لأن الكلام لم يعد يغير شيئًا،

كانت الكلمات تخرج منها كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات، في تلك الليلة، فهمت ندى لم تكن مشكلتها أنها أحبت،

ولم تكن مشكلتها أنها وثقت،

كانت مشكلتها أنها وضعت قلبها كله في مكان واحد، ثم عندما سقط ذلك المكان، ظنت أن قلبها سيسقط معه إلى الأبد،

لكنها اكتشفت أن الإنسان يستطيع أن يجمع نفسه حتى بعد الانكسار، ليس كما كان، ولكن بطريقة أقوى.

بدأت ندى تتغير، لم تعد تبحث عن تفسير لكل غياب، لم تعد تلاحق من يبتعد، لم تعد تقنع أحدا بقيمتها، تعلمت أن من يريدها سيعرف كيف يحافظ عليها، ومن يريد الرحيل لن توقفه ألف كلمة، تعلمت أن الحب لا يعني أن نخسر أنفسنا من أجل الآخر، وأن الوفاء لا يعني أن نبقى في المكان الذي يؤذينا،

وأن القلب، مهما كان صغيرا، يستحق مساحة آمنة، ومع ذلك، لم يكن الشفاء سريعا، كانت هناك أيام قوية وأيام ضعيفة، أيام تشعر فيها أنها تجاوزت كل شيء، وأيام أخرى تعود فيها الذكريات فجأة، فتشعر وكأنها تعيش الألم للمرة الأولى، لكنها لم تعد تخاف من ذلك، كانت تقول لنفسها:

ليس عيبا أن أتذكر، العيب أن أعود إلى المكان الذي كسرني

وبدأت تصنع لنفسها حياة جديدة

قرأت الكتب، كتبت أكثر.

خرجت إلى الأماكن التي كانت تحبها، تعرفت إلى أشخاص جدد،

وعادت إلى أشياء كانت قد تركتها بسبب الحزن، شيئا فشيئا، بدأت تكتشف أن الحياة أكبر من شخص واحد، وأوسع من حكاية واحدة، وأطول من ليلة بكاء.

وفي ليلة أخرى، عادت ندى إلى نافذتها المكان نفسه، النافذة نفسها لكن ندى لم تعد هي ندى التي جلست هناك قبل أشهر، وضعت أمامها الورقة البيضاء.

أمسكت القلم، لكن هذه المرة لم تكن تبحث عن نهاية سعيدة،

كانت تبحث عن بداية حقيقية.

كتبت ربما لا أستطيع تغيير ما مضى، لكنني أستطيع أن أقرر ماذا سأفعل بما تبقى،

ثم ابتسمت وأكملت:

لن أمحو الماضي، لأنه جزء مني. ولن أكره من آذاني، لأن الكراهية قيد آخر، سأترك كل شيء في مكانه، وأمضي

توقفت قليلا نظرت إلى الحروف،

كانت متشابكة، بعضها مائل، وبعضها غير واضح، وبعض الكلمات كتب فوقها الحبر أكثر من مرة، لكنها لم تمزق الورقة.

هذه المرة، لم تكن تريد ورقة مثالية، كانت تريد ورقة صادقة،

أدركت ندى أن حروفها لم تكن متشابكة لأن يدها لم تعرف الكتابة، كانت متشابكة لأن قلبها كان يحمل الكثير، كل حرف كان يحمل ذكرى، كل كلمة كانت تخفي دمعة، كل سطر كان يحكي شيئا لم تستطع قوله بصوت مرتفع، ولهذا تركتها كما هي،

لم تحاول ترتيبها، لم تحاول تجميلها، لأنها للمرة الأولى فهمت أن بعض الفوضى جميلة عندما تكون صادقة، أغلقت ندى دفترها، ونهضت من أمام النافذة، قبل أن تغادر، نظرت إلى السماء، لم تكن الغيوم قد اختفت تماما، لكن ضوء القمر بدأ يتسلل من بينها.

ابتسمت قالت بهدوء:

ربما لم تكن حياتي كما تمنيت، لكن هذا لا يعني أن نهايتها ستكون كما أخاف،

ثم أطفأت الضوء، ذهبت إلى سريرها، وقلبها لا يزال يحمل بعض الألم، لكنه لم يعد ذلك الألم الذي يسيطر عليها، كان وجعا تعرفه الآن، وجعا تستطيع أن تعيش معه دون أن يسمح لها بأن يقرر مستقبلها، وفي صباح اليوم التالي، فتحت ندى نافذتها، دخل الهواء إلى غرفتها، كان صباحا عاديا بالنسبة للعالم، لكنه بالنسبة لها كان مختلفا، كان أول صباح لا تنتظر فيه رسالة، أول صباح لا تبحث فيه عن تفسير، أول صباح لا تسأل فيه لماذا حدث كل هذا؟

كانت تسأل سؤالًا آخر:ماذا أريد أنا الآن؟

ولأول مرة منذ سنوات، لم تخف من الإجابة، أمسكت قلمها من جديد، وكتبت في أعلى الصفحة:

هذه ليست نهاية حكايتي، هذه بداية ندى الجديدة،

ثم بدأت تكتب، وكانت حروفها لا تزال متشابكة، لكن هذه المرة، لم تكن حروف الحزن، كانت حروف امرأة نجت من نفسها، وعرفت أن بعض الأبواب التي تغلق في وجوهنا ليست نهاية الطريق، بل دعوة للبحث عن باب آخر، باب لا يحتاج إلى طريق طويل،

ولا يحتاج إلى أن نخسر أنفسنا كي يفتح ومنذ ذلك اليوم، قررت ندى أن تكتب حياتها بنفسها، لا كما يريدها الآخرو، ولا كما فرضتها عليها الخيبات، بل كما تستحقها،

وهكذا، بدأت الحكاية من جديد،

حكاية امرأة كانت تظن أن قلبها انتهى، فاكتشفت أنه كان فقط ينتظر منها أن تمنحه فرصة أخرى للحياة.

رفعت للتصميم