
الرّكض خلف أملٍ مُتسرّب
الرّكض خلف أملٍ مُتسرّب
كانت تركض حافيةً، تسابق الزّمن، كأنّ العمر كله اختُصر في تلك اللّحظة الّتي بدأ فيها القطار يتحرّك.
لم تكن تشعر بالحجارة الحادّة تحت قدميها، ولا بالبرد الّذي كان يعضّ أطرافها، ولا بالأنفاس المتقطّعة الّتي تحرق صدرها.
كانت تركض فقط…
خلف قطارٍ يحمل شيئًا من حياتها.
في يدها حقيبة صغيرة، لكنها كانت أثقل من سنوات عمرها كلّها؛ داخلها فستان أمّها القديم، صورة باهتة لرجلٍ غادر منذ زمن، رسالة لم تجد طريقها إلى صاحبها، ومفتاح صدئ لباب لم يعد موجودًا.
أما في يدها الأخرى، فكانت تمسك بورقة صغيرة.
تذكرة.
موعد أخير.
كانت تؤمن أنّ القطار إذا رحل، رحل معه آخر أمل لها.
صرخت:
— انتظر!
لكنّ القطار لم يسمع.
أسرع.
وتصاعد الدّخان خلفه، كثيفًا، رماديًّا، كأنًًه ستارٌ يُسدل على آخر مشهد من حكايتها.
ركضت أكثر.
مدّت يدها نحو العربة الأخيرة، وكانت أصابعها ترتجف شوقًا، حتّى خُيّل إليها أنّها اقتربت.
لحظة واحدة فقط…
وكان يمكن أن تمسك بالمقبض.
لكنّ القطار ابتعد.
توقّفت.
سقطت على ركبتيها.
لأوّل مرّة شعرت بالألم في قدميها.
نظرت إلى القضبان الممتدّة أمامها، ثمّ إلى القطار الّذي صار نقطة بعيدة تتلاشى في الضّباب.
فتحت حقيبتها.
أخرجت الصّورة.
حدّقت في وجه أمّها طويلًا، ثمّ قالت:
— تأخّرتُ يا أمّي…
كانت أمّها قد قالت لها قبل رحيلها بأيّام:
«لا تنتظري الحياة طويلًا… فالقطارات لا تعود من أجل الّذين يتردّدون.»
يومها ضحكت ولم تفهم.
الآن فقط فهمت.
جلست على الرّصيف تبكي.
اقترب منها رجل مسنّ كان يجلس على مقعد المحطّة، وقال:
— هل فاتك القطار؟
مسحت دموعها وقالت:
— لم يكن قطارًا فقط… كان فرصتي الأخيرة.
ابتسم الرّجل بهدوء.
— ومن قال إنّ الفرص تسافر كلّها بالقطارات؟
رفعت رأسها.
أشار إلى الجهّة الأخرى من المحطة.
كان هناك رصيف آخر.
وعليه قطار جديد يستعدُّ للمغادرة.
قال:
— ربّما كنتِ تركضين خلف القطار الخطأ.
وقفت ببطء.
نظرت إلى القطار الجديد.
لم تعرف إلى أين يذهب.
لم يكن معها سوى تذكرة قديمة، وحقيبة مثقلة بالذّكريات، وقلب مكسور.
لكن شيئًا ما بداخلها تحرّك.
شيء يشبه الأمل.
هـ
ركضت هذه المرّة…
لكنّها لم تكن تركض خلف قطارٍ راحل.
كانت تركض نحو قطارٍ لم يرحل بعد.
وحين وصلت إلى الباب، لم تمدّ يدها بتردّد.
فتحت الباب.
صعدت.
جلست قرب النّافذة.
وضعت حقيبتها بجوارها، ثمّ أخرجت الرّسالة القديمة.
مزّقتها.
قطعةً قطعة.
وتركت قصاصاتها تتطاير خلف النّافذة.
ابتسمت لأًوَّل مرة منذ سنوات.
لم تكن تعرف إلى أين يأخذها القطار.
لكنّها أدركت أنّ المصير لا ينتظر دائمًا في نهاية الطّ ريق…
أحيانًا يكون المصير هو أن نمتلك الشّجاعة الكافية لنبدأ طريقًا جديدًا.
وخلفها، ظلّ القطار الأوّل يبتعد، يحمل كلّ ما ظنّت يومًا أنّه مستقبلها.
أمّا هي…
فكانت تمضي.
هذه المرّة، لم تكن تركض خلف أملٍ متسرّب.
كانت تصنع أملها بيديها.
بقلم الكاتبة الروائية
هدى حجاجي أحمد – مصر
رفعت للتصميم













