
في زمن البراءة
في زمن البراءة.. في زمن خال من الأنترنات.. من الهواتف الذكيّة.. كنّا نشيّد من الورق زوارق.. نرسلها في أحواض صغيرة غمرتها المياه.. نطلق عليها أسماء عظماء المسلمين.. تتسابق في خيلاء.. كانت أحلامنا صغيرة.. نشجّع زوارقنا الورقيّة لتفوز بنزاهة دون تعصّب.. دون غضب.. دون حدّة.. دون غشّ.. كنّا نحلم بالسّعادة.. بالنّجاح والتّفوّق في الدّراسة.. كان العالم بالنّسبة إلينا صغير لا يتعدّى أسوار منزلنا الصّغير وحديقة غمرتها الورود والياسمين.. يفوح أريجها فلا نشتمّ رائحة الخيانة والأنانية.. كان أبوانا العطوفان درعا يقينا غدر الزّمان.. وكانت الجدّة الرّحيمة قلعة أسوارها منيعة ضد كلّ أنواع الطّغيان.. كانت أمانينا بسيطة.. لا يشغلنا الحاضر.. والآتي.. كنّا سعداء.. كان الحبّ رفيقنا والسّلام هدفنا.. وكبرنا.. تغيّر كلّ شيء جميل حولنا.. غابت الزّوارق الورقيّة ليحلّ محلّها الهاتف الذكيّ وما يحمل من خراب للعقول وللأجيال.. غابت سلطة الأب ليحلّ محلّه أب ضعيف يخاف ان يقول “لا” وغابت سلطة الأمّ لنرى نساء منحلّات يشجّعن فلذات أكبادهنّ على الغيّ منذ نعومة أظافرهم.. غابت الجدّة الرّحيمة لتحلّ محلّها آمراة مهزوزة.. غريبة بين أعراف وتقاليد لم تألفها.. لا تعرف ما تقول وما تفعل امام والدين تائهين بدورهما بين حبّ ابنائهم وضعف دورهم في تربيتهم.. وجاءت التّكنولجيا التّي أسيء توظيفها وفهمها في عالمنا الثّالث التّائه لتزيد الوضع تأزّما.. فقد آحتلّت مواقع غريبة شاذة.. منحلّة ومدعومة بيوتنا وبات الكلّ أسيرها.. وبات الغريب مألوفا والمحرّم محلّلا والشّاذ متعاطفا معه داعمين لشذوذه مبرّرين تصرّفاته.. وأصبحت الألعاب الألكترونية العنيفة تسيطر على العقول وتجلدها جلدا.. فأيننا نحن من طفولتنا السّعادة واينهم هم من طفولتهم المسروقة.. بدعوى التّطوّر..
أين سيأخذما قطار التّطوّر وأين سيلقي بنا؟.. اسئلة عديدة ترهقنا ولا نجد لها أجوبة…
نعيمة المديوني












