
سنواتٌ طويلةٌ وقفوا أمامَ السبّورةِ
سنواتٌ طويلةٌ وقفوا أمامَ السبّورةِ، يزرعونَ في العقولِ نورًا، وفي القلوبِ أحلامًا.
علّموا الأطفالَ كيف يكتبون عنِ الرّبيعِ، فيما كانت أعمارُهم تمضي نحو الخريف.
وحين تعبَتِ الأقدامُ من الوقوفِ، وخفَتَتِ الأصواتُ من كثرةِ الشّرحِ، ظنّوا أنّ موعدَهم مع الرّاحة قدِ اقتربَ، فانتظروا ذٰلك اليومَ كما تنتظرُ الأمُّ عودةَ ابنِها المسافر، ووعدوا أنفسَهم أنْ يستيقظوا على زقزقةِ العصافيرِ بدلَ جرسِ الحصّةِ الأولى، وأنْ يجلسوا تحت شجرةٍ طالما مرُّوا بقربِها مسرعين، ويمنحوا أنفسَهم بعضًا من الوقت الّذي وهبوه للأجيال، لم يطلبوا أكثرَ من حقّهِم في أنْ يعيشوا ما تبقّى من العمرِ بهدوءٍ يليقُ بمن أفنى عمرَهُ في خدمةِ الآخرين.
لكنَّ أحدًا قرّرَ أنْ يؤجِّلَ الحلمَ.
فقيلَ لهم: انتظروا سنتين إضافيّتين.
سنتان… قد يكونان “خرطشةَ قلمٍ” صغيرة في قرارٍ إداريّ، لكنّهما في ميزانِ العمرِ، دهرٌ حِملُهُ ثقيلٌ.
فحين يبلغُ الإنسانُ خريفَ حياتِه، لا تعودُ السّنواتُ أرقامًا تُضافُ، بل مواسمَ عزيزةً لا تُعوَّض. سنتان هما ضحكةُ حفيدٍ، أو صباحٌ هادئٌ مُنتظَرٌ منذ شبابِ العمر.
ما أقسى أنْ يصلَ المعلّّمُ، أو الموظّفُ إلى آخرِ الطّريقِ، فيُطلبُ منه أنْ يواصلَ المسير!
وما أشدَّ الوجعَ حين يُنظرُ إلى سنواتِ خدمتِهِ الطّويلةِ كأنّها لم تكنْ كافيةً، وإلى تعبِهِ النّبيلِ كأنّهُ دَينٌ لم يُسدَّدْ بعد.
هؤلاء لم يبنوا طُرُقًا من حجرٍ، بل شيّدوا في العقولِ جسورًا نحو المستقبلِ.
لم يتركوا وراءَهم أبنيةً شاهقةً، بل تركوا أطباءَ ومهندسينَ وقضاةً وكُتّابًا ومحامين، وآلافًا من البشرِ الّذين حملوا أثرَهُم في حياتِهم، فكانوا الشّموعَ الّتي احترقَتْ بصمتٍ كي يُبصرَ الآخرون.
وحين آن وقتُ الاستراحةِ طُلب منها أنْ تواصلَ الاحتراقَ.
فالتقاعدَ ليس منحةً تُعطى، بل حقٌّ مقدّسٌ يُستَحَقّ. وليس مكافأةً على الخدمةِ، بل اعترافٌ بأنّ العمرَ الّذي بُذِلَ لا يمكنُ استعادتُهُ.
فَيَا لمرارةِ السّؤالِ:
أيُّ عدالةٍ وأيُّ وفاءٍ هٰذا الّذي يُمدِّدُ سنواتِ العملِ، فيما العُمرُ نفسُه لا يَقبلُ التّمديدَ؟
َعايدة قزحيّا
“على قارعةِ العمر”












