وطنٌ من ياسمين… وعمرٌ من حنين

حين يلتقي الغريبان في منافي الروح، فيصيران وطنًا لا تغادره الذاكرة

في فوضى الحياة، نلتقي بأناسٍ شتى، نلتقي بمن نعرفهم، وبمن اعتدنا ملامحهم حتى صاروا جزءًا من تفاصيل أيامنا، نلتقي بمن عرفناهم ذات زمن، ثم فرّقت بيننا الأيام والمسافات، حتى إذا يئسنا من عودتهم، ردّتهم إلينا المصادفةُ في منعطفٍ لم نحتسبه. تبدو هذه اللقاءات امتدادًا طبيعيًا لحكايات مؤجلة، مهما طال عليها الفراق، ومهما تراكمت فوقها السنون.

لكن ثمّة لقاءاتٌ من طينةٍ أخرى… لقاءات لا تأتي امتدادًا لماضٍ، ولا استكمالًا لعهد، ولا تحقيقًا لوعد. لقاءات تنبثق من العدم، كما ينبثق النبع من صخورٍ لم يظنّها أحدٌ يومًا موطنًا للماء. تجمعك بطريقٍ لم تسلكه من قبل، بإنسانٍ لم يخطر ببالك قط أن دربك سيصافح دربه، ولم تنبئك به رؤيا، ولا همس لك به حدس. لهذا تبقى بعض اللقاءات خالدةً في الذاكرة، لا لأنها جاءت في موعدها، بل لأنها استعصمت على المواعيد، وأبت إلا أن تفاجئك في لحظةٍ عابرة، فإذا بك تقف مشدوهًا أمام إنسان لم تره من قبل، لكنه يمطر روحك بوابلٍ من الألفة، كأنه كان يسكنك منذ الأزل، وما كان بينكما إلا حجابٌ رقيق مزّقه القدرُ في لحظةٍ شاءها.

هكذا، تمامًا، كانت لحظتي الأولى معها.

كانت تلك أوّل مرةٍ تقع فيها عيناي على محيّاها، ومع ذلك لم يخالجني إحساسُ الغريبة. كان في حضرتها ما يشبه البيوتَ حين تعود إليها بعد غياب، ما يشبه دفء الذكريات القديمة وهي تتسلل إلى صدرك بلا استئذان. في العادة، تحتاج العلاقات الإنسانية إلى زمنٍ يتنفس كي تنبت جذورها، تحتاج إلى لقاءات تتلوها لقاءات، وإلى كلمات تتراصّ فوق كلمات، وإلى مواقف تنسج خيوط الثقة على مهل. أما هي… فقد طوَت كل تلك المراحل في غمضة عين، عبرت إلينا كما يعبر الضوء الزجاجَ، لا ينتظر إذنًا، ولا يستأذن أحدًا. اختزلت الزمن كله في لقاءٍ واحد، لقاء عابر في ظاهره، لكنه في العمق كان لقاء الأقدار التي طال انتظارها دون أن ندري.

كانت تبحث عن وجهٍ يبدّد وحشة أيامها، وعن حديثٍ يخفف عنها غربة المكان. لم تكن تدري، ولم أكن أدري أنا أيضًا، أنني كنتُ أكثرَ احتياجًا إليها، وأن اليد التي امتدّت تطلب مؤنسًا كانت، في حقيقة الأمر، هي اليد ذاتها التي انتشلتني من غرقٍ صامت، من وحدةٍ كانت تنخر روحي في سكون الليل وصخب النهار.

جاءت من درعا… من بلدةٍ صغيرة يسمّونها اتسيل، تحمل على كتفيها عمرًا أكبر من عمرها، وعلى مقلتيها حكايات أقدم من ملامحها. كانت في مطلع الثلاثينيات، بيضاء كالياسمين الدمشقي، شقراء كسنابل القمح في سهول حوران، لا تكاد تفارق الابتسامة وجهها، وأمًّا لثلاثة أطفال. كانت جميلة، لكن جمالها لم يكن جمال الرفاهية والراحة، بل جمال من صقلتها المحن، وزادها الألمُ نورًا فوق نور. حياتها لم تكن وردية… بل كانت أقسى من أن تُروى بلغة، وأعمق من أن تختزلها الكلمات.

قبل أكثر من عشر سنوات، خرجت من وطنها مرغمة، لا كما يخرج المسافر يمنّي نفسه بالعودة، بل كما يقتلع الإعصار شجرةً من جذورها. تركت خلفها طفولتها المعلقة على جدران غرفتها، وذكرياتها المنثورة في زوايا البيت، وأحلامها المؤجلة إلى أجلٍ لا تعرفه. بدأت رحلة اللجوء في بلدٍ مجاور، حيث الخيام بيوت، والانتظار رفيق، والحنين وجعٌ يوميّ لا يغفو. هناك كبرت سريعًا… لم تكبر وحدها، بل كبرت معها الهموم، ونما الخوف في صدرها كما تنمو الأشواك في أرضٍ جرداء، وتكاثرت الأسئلة التي لا تجد إجابات، كغيوم تتراكم ولا تمطر.

مرّت الأيام، وتزوجت، وعادت إلى وطنها المنهك، وأنجبت ابنها الأول. عادت تحمل أعباء الزوجة والأم، وتواجه وحدها تقلّبات حياةٍ لا تعرف للاستقرار معنى. كان زوجها منشغلًا بالدفاع عن أرضه، ومنشغلًا، في الوقت ذاته، بنسج خيوط علاقة جديدة مع امرأة أخرى. وكانت وردة تحمل همّ البيت والطفل، وتخفي في أعماقها وجعًا مكتومًا، وقدرًا لا تملك رده ولا تملك الفرار منه. لم يكن في يديها إلا الصبر، والدعاء، ودموع تخفيها عن أعين الناس، وقلب يئن في صمت. ثم جاء اليوم الذي سبق اليوم الذي قيل إنه سيشهد زواجه من امرأة أخرى… لكنه القدر، ذلك الذي يقلب الموازين في لحظة، ويكتب نهايات لم تخطر على بال بشر. عاد إليها، ليس عريسًا يزفّ على أنغام الفرح، بل شهيدًا يُزفّ إلى السماء، في عرسٍ من نور، لا يشبه أعراس الأرض.

استحضرت ذلك المشهد أمامي ذات يوم، في إحدى جلساتنا التي كانت تذوب فيها المسافات بين الروح والروح، وقالت لي وعيناها ممتلئتان بما تعجز الحروف عن حمله: «بكيت عليه بحرقة… وبكيت أطفالي لأنهم أصبحوا بلا أب. لكن في أعماقي كان صوت خافت يهمس لي: عريسًا إلى الجنة أهون على قلبي من أن يكون عريسًا لامرأة أخرى.»

لم تكن تفرح بالموت، حاشاها، ولم تكن ترغب في أن تفقد زوجها في ربيع عمرها، لكنها كانت تصف حجم الانكسار الذي كان يتهددها، وحجم الصراع الذي مزّقها بين قلب الزوجة التي تحب، وقلب الأم التي تخاف، وقلب الأنثى التي تخشى أن تُهجر. كانت تبكي روحًا أنهكتها الحرب والغربة، قبل أن تنهكها خيانة الأحبة ومرارة الفقد.

وجدت نفسها فجأة تحمل مسؤولية الأمومة وحدها، وقلبًا مثقلًا بالفقد، ومستقبلًا يلفه الضباب. ثم جاءت العادات والتقاليد لتلعب دورًا آخر في مسرحية حياتها، دورًا قاسيًا قيّد خياراتها، وضيّق عليها سُبل الاختيار. فُرض عليها أن تلتفت إلى حياة جديدة مع رجل جديد، لكن مخاوفها من المجهول كانت أعتى من قدرتها على البدء، كانت ترتجف من فكرة أن تفقد ما تبقى لها من أمان، وأن تنتزع منها فلذات كبدها. وشاءت إرادة الله أن تتزوج من شقيق زوجها المغترب.

تم الزواج، لكن المسافات ظلّت أطول من أعمارهم، وأقوى من لقائهم. بقيت بعيدة عنه، حتى أتيحت لها فرصة السفر إليه، فمكثت معه فترة قصيرة كالحلم، ثم عادت لتفرق بينهما من جديد السنين والمسافات، حاملة في أحشائها طفلًا آخر. وبعد أربع سنوات ونصف، جاء اللقاء المنتظر… لقاء الأب بابنه الذي لم يعرفه إلا صورةً على شاشة، ولقاء آخر لم يكن بينها وبين زوجها فحسب، بل كان بيني وبينها. كان ذلك هو اللقاء الذي دبّره الله في غيوب سماواته، ولم يكن زوجها هو المعنيّ وحده، بل كنت أنا أيضًا على موعدٍ مع قدرٍ جميل، ليجمعني بها.

جاءت عودتها مع نسمات شهر رمضان، واحتضنتنا الأيام المباركة بلقاء فاض بالمعاني. رأتني ذات يوم، ثم التفتت إليّ وقالت بعفوية مزّقت ستائر قلبي: «أنا غريبة هنا، ولا أعرف أحدًا… والوحدة قاسية ومرة.»

لم تكن تعلم، وهي تطلق تلك الكلمات البسيطة، أنني أنا أيضًا كنت أغرق في وحدة لا تقل قسوةً ولا مرارةً عن وحدتها. ومنذ تلك اللحظة، انصهرت وحدتان في بوتقة واحدة، فكانتا دفئًا… ومنذ ذلك اليوم، لم نعد مجرد جارتين تتقابلان في الطريق، بل صرنا وطنًا صغيرًا، كل منا تحمل الأخرى بين ضلوعها. صار للعصر موعد مقدس لا يتغير ولا يتبدل، كانت تصلي العصر، ثم تقبل إليّ كأنما الطريق بين بيتينا لم يُخلق إلا ليجمعنا. نجلس معًا حتى يغمرنا وقت المغرب، ثم نخرج إلى الحديقة، نمشي بين الأشجار كأننا نستمع إلى أسرارها، ونجلس على المقاعد التي حفظت حكاياتنا، ونتحدث عن كل شيء، وأحيانًا عن لا شيء، فكان اللا شيء في صحبتها يفيض بالمعنى. أحيانًا كنا نلهو كالأطفال، نضحك حتى تدمع العيون، وأحيانًا يكفينا أن نجلس صامتتين، في لحظة تأمل، وكأن الصمت بيننا كان أفصح من كل الكلام.

كانت تحدثني كثيرًا عن بلدها، عن قريتها اتسيل. وكلما تحدثت عنها، شعرت أنني لا أستمع إلى وصف مكان، بل إلى وصف الجنة كما يتخيلها قلب إنسان منفيّ. كانت تقول إن الصباح هنا لا يعرف رائحة الخبز الخارج من التنور، ولا عبق الزعتر البري، ولا أريج الزيتون الطازج الذي قُطف للتو، ولا نكهة الجبن الذي تصنعه الأمهات بأيديهن على ضوء الفجر. كانت تقول إن أشجار التفاح والتين والزيتون هناك ليست مجرد أشجار، بل هم أفراد من العائلة، كبروا معهم، وسقوهم من طفولتهم، وحفظوا أسرارهم تحت ظلالهم الوارفة. كانت تحدثني عن بيوت لا تعرف الأقفال، وعن أبواب تبقى مفتوحة كأنها خلقت لاستقبال الناس لا لردهم، وعن ساحات يُؤكل فيها الفطور جماعة، وعن جلسات عصر تمتد تحت الأشجار حتى تذوب الشمس في الأفق، وعن أطفال ينتقلون بين البيوت كما تنتقل العصافير بين الأغصان، لا يستأذنون ولا يُستأذن منهم.

ثم تصمت فجأة… وكأن روحها تعود من رحلة بعيدة إلى واقعها الأليم، وتقول بصوت يخنقه الحنين: «هنا لا أعرف الصباح من المساء. كل شيء يُقضى بين أربعة جدران، وتحت صوت أجهزة التبريد التي تقتل الإحساس بالحياة. أما هناك… فالحياة كلها في الخارج، تحت السماء المفتوحة.»

لم تكن تبكي وطنًا فحسب، بل كانت تبكي تفاصيله الصغيرة التي لا يراها إلا من أحب. كانت تقول لي: هناك غرفتي التي تعرف أحلامي، وهناك ملابسي المرتبة في الخزانة، وهناك أغراضي التي أهتدي إليها حتى لو أغمضت عينيّ. هناك أولادي الذين يجرون في الحقول، وهناك الأرض التي نزرع فيها كل ما نأكله، فلا نحتاج أن نشتري من الأسواق إلا القليل. وكلما تحدثت عن تلك التفاصيل، أدركت أن الإنسان لا يشتاق إلى الأوطان الكبيرة، بقدر ما يشتاق إلى التفاصيل الصغيرة التي خبزت أيامه، وإلى الذكريات التي تسللت إلى نسيج روحه دون أن يدري.

كانت أربعة أشهر ونصف فقط في تقويم الزمن… لكنها في سجل الروح تعادل عمرًا كاملًا. فبعض العلاقات لا تحتاج إلى زمان طويل حتى تصبح جزءًا من تكوينك، وبعض الأرواح تتآلف في لحظة، كما تتآلف قطعتا لغز قديم.

واليوم، إذ أقف على أعتاب الرحيل وأودّعها، يعود إلى مسامعي صدى عبارتها الأولى: «الوحدة مرة وقاسية.» لكنني هذه المرة أخفي في أعماقي عبارة أخرى لا يجرؤ لساني على النطق بها، أصرخ بها في صمت: أرجوكِ… لا تذهبي. ابقي قليلًا، فما زال في القلب متسع للقاءات أخرى، وما زالت الحديقة تنتظر خطواتك، وما زال موعد العصر يحنّ إلى صوتكِ. فأخشى، ما أخشاه، أن تعود الوحدة فتأسرني من جديد.

تعلمت منها أن الأوطان ليست حدودًا تُرسم على الخرائط، وأن بعض البشر يصبحون وطنًا بكل ما في الكلمة من معنى، نسكنهم ونحن في أوج غربتنا، فإذا رحلوا، شعرنا أننا نحن الذين رحلنا، وأن الأرض من تحتنا قد زُلزلت.

ستعود إلى حياتها، وسيبقى في قلبي مقعد فارغ تحت شجرة الحديقة، وموعد عصر لن يأتي فيه أحد، وصمت طويل سيسكن زوايا البيت. سترحل، ويسرقني الحنين إلى وطن بعيد، وطن لا يُرى بالعين، بل يُرى بالقلب.

ولا أدري… هل ستأذن الأقدار بلقاء آخر؟ أنا من بلد، وهي من بلد، وهذه المدينة التي جمعتنا تحت سمائها قد أغادرها يومًا، وقد تغادرها هي إلى غير رجعة.

تلك هي مأساة المنفيين، يلتقون في المنافي، فيصبحون أوطانًا مؤقتة، ثم يتابع كل منهم طريقه في دروب التيه.

لكنني على يقين أن بعض الناس لا يطيلون البقاء في حياتنا، ومع ذلك يتركون أثرًا لا يرحل أبدًا.

يرحلون بأجسادهم، ويبقى حضورهم يسكن التفاصيل: في موعد العصر، وفي مقعد الحديقة الخالي، وفي ضحكة عابرة ترن في الذاكرة، وفي دعاء صادق يرفع في جوف الليل، وفي ذكرى لا تشيخ مهما طال عليها الزمن.

سيكفي أن أمرّ يومًا بجانب تلك الحديقة، فأراها تمشي إلى جواري كطيفٍ من نور، ويكفي أن أشم رائحة الزعتر البري، أو ألمح شجرة زيتون وارفة، حتى أسمع صوتها الهادئ يهمس في أذن قلبي: «هناك… هناك، كانت الحياة أجمل.»

سلامًا لقلبها الجميل، سلامًا يليق بمن حملت وطنًا كاملًا في صدرها، وحملت الحياة فوق كتفيها، وظلت، رغم كل ما انكسر فيها، تبتسم.

 

نوال ادريس أبخاطره