
في زاوية الليل الهادئة
في زاوية الليل الهادئة ..
حيث تنام الأشياء وتبقى الأرواح يقظة،
أجدني مقسوماً بين اثنين: طفل يرتجف بين ضلوعي،
وقاضٍ صارم يسكن رأسي.
أحتضن قلبي، أربّت على خيباته كما يهدهد الأب وليده، وأهمس له بيقين أكاد أفتقده: لا بأس يا قطعة من الروح، غداً تشرق شمس لا تدفئ سواك، وما هذا الحزن إلا غيمة عابرة ستنجلي.
يصدقني الصغير، يهدأ نبضه المذعور، ويستسلم لغفوة قصيرة يبحث فيها عن أمان مفقود. لكن عقلي لا ينام، ينهض من مرصده ليحاكم هذا الحنان، ويصرخ في وجه صمتي بحقيقة لا ترحم: إلى متى تطعمه وهم الأحلام؟ ألم تثقله الندوب بما يكفي ليفيق ويشتد عوده؟
أخبره أن إسرافه في الحب لمن لا يستحق هو ما أورثه هذا الخراب، صارحه بأن الحياة يا هذا لا تعانق كل من ركض إليها فاتحاً ذراعيه. أقف بينهما متعباً ومحباً في آن واحد، عقلي ينطق بالحق، وقلبي ينبض بالصدق، وما أقسى أن يكون الحق جارحاً، والصدق ساذجاً.
نعم، لقد أسرف قلبي في العطاء حتى جف، وأحب الحياة حتى أدارت له ظهرها، لكنني أرفض أن أعاقبه على نقائه بسياط الواقع. فيا عقلي الغاضب، رفقاً به، إن النضج الحقيقي ليس أن نتحول إلى حجارة لا ترتجف، ولا أن نقتل الشعور لننجو من الألم، بل أن نحمل ندوبنا بكرامة، وأن نحتفظ بنقاء الطفولة وحسن الظن في أعماقنا رغم قسوة الطريق.
دعه يغفو الليلة محاطاً بالوهم الجميل،
فربما من انكسر بفرط الحب لا يجبر إلا بفيض من الأمل.
سجين الوجع












