
حين مات الحياء قبل الضحية
حين مات الحياء قبل الضحية
بقلم: نعمة حسن
ليس أكثر ما أخافني في السنوات الأخيرة جرائم القتل…
بل الطريقة التي أصبحنا نتلقاها بها.
في الماضي، كانت الجريمة تهز مجتمعًا بأكمله، وتبقى حديث الناس أسابيع لأنها استثناءٌ نادر يرفضه الضمير الجمعي. أما اليوم، فإننا نستيقظ على جريمة، ونتناول الغداء مع جريمة أخرى، وننام على مقطع جديد، حتى كأن المأساة أصبحت فقرة ثابتة في جدول اليوم.
وهنا يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا جميعًا…
هل ازدادت الجرائم فعلًا، أم ازدادت أعيننا تعلقًا بها؟
إن وسائل التواصل الاجتماعي لا تمثل المجتمع كما هو، بل تمثل ما يحقق أعلى نسب مشاهدة. والخوارزميات لا تبحث عن الإنسان الأفضل، بل عن المحتوى الأكثر قدرة على إيقاف إصبعك عن التمرير. ولهذا، فإنها كثيرًا ما ترفع أكثر النماذج شذوذًا، وأشدها صخبًا، وأقساها أثرًا، حتى يبدو للمشاهد أن العالم لم يعد يعرف إلا الانحراف، مع أن ملايين صور الخير لا تجد من يلتفت إليها لأنها لا تثير الضجيج نفسه.
لكن هذا لا يعفينا من مواجهة الحقيقة الأخرى…
فبعض ما نراه ليس مجرد تضخيم إعلامي، بل تغير حقيقي في حدود القسوة.
لقد تجاوزنا في بعض الجرائم مرحلة الغضب، إلى مرحلة انطفاء الرحمة.
وتجاوزنا لحظة الاعتداء، إلى لحظة التمثيل بالإنسان بعد موته.
وتجاوزنا قطع صلة الرحم، إلى الاعتداء على الرحم نفسه.
أي قلب يستطيع أن يستوعب أن تتحول الأم، التي حملت وليدها تسعة أشهر، وسهرت عليه سنوات، وخافت عليه من نسمة هواء، إلى ضحية على يد من كانت ترى فيه امتداد عمرها؟
إن بعض القضايا التي شغلت الرأي العام في المنطقة، ومنها القضية المعروفة إعلاميًا بقضية المحامية سالي، لم تصدم الناس بسبب وقوع جريمة قتل فحسب، بل بسبب ما نُقل عن تفاصيلها القاسية، وما أثارته من أسئلة مؤلمة حول انهيار الروابط الإنسانية حين يُمحى الضمير. ولم يكن الألم في خبر الجريمة وحده، بل في الشعور بأن الكلمات نفسها أصبحت تعجز عن وصف ما حدث.
وحين يصل الإنسان إلى أن يعتدي على أقرب الناس إليه، والتمثيل بحثته وتقطيعها ووضعها في الثلاجة ثم الهروب أو قضية نور التي لم تكتفي بالقتل فقط بل مثلت بالجثة وسكبت عليها الماء المغلي .
وغيرها الكثير .
هنا ..
لم تعد القضية قضية قانون فقط…
بل قضية ضمير.
فالإنسان لا يولد وهو يعرف أسماء القوانين، لكنه يولد وفي داخله بذرة رحمة. فإذا ماتت تلك الرحمة، لم يعد القانون وحده قادرًا على إعادة بناء الإنسان.
وليس هذا وحده ما يؤلم.
ما يؤلم أيضًا أننا أصبحنا نتعامل مع البيوت وكأنها مسارح مفتوحة.
زوج يصور زوجته في أضعف لحظاتها لينشرها أمام الغرباء.
وزوجة تحول خلافًا عائليًا إلى بث مباشر.
وأب يفضح أبناءه.
وابن يسخر من والده.
وأم تكشف أسرار بيتها بحثًا عن التعاطف أو الشهرة.
ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا فقدت البيوت هيبتها؟
لقد كان البيت، عبر التاريخ، آخر حصون الإنسان.
مكانًا تُغلق بابه لتستر ضعفك، لا لتعرضه.
وكانت الجدران تحفظ الأسرار، لا لأنها من حجر، بل لأن أهلها كانوا يدركون أن الكرامة لا تُقاس بعدد المتابعين.
أما اليوم، فقد أصبح بعض الناس يبيعون أكثر لحظاتهم خصوصية بثمن مشاهدات قد لا تدوم دقائق.
أي مفارقة هذه؟
نحن نشتري الستائر لنخفي نوافذ بيوتنا…
ثم نفتح بيوتنا كلها أمام شاشة هاتف.
ونخاف من عين الجار…
ولا نخاف من ملايين العيون التي لا تعرفنا.
إن المشكلة لم تعد في التقنية.
فالتقنية لا تأمر أحدًا بأن يفضح زوجته، ولا أن يهين أمه، ولا أن يصور ابنه، ولا أن يسخر من أبيه.
المشكلة أن بعض النفوس اكتشفت أن الضجيج أصبح أسرع طريق إلى الشهرة.
وهنا يقع أخطر انقلاب في القيم…
حين يصبح ما كان يستوجب الستر سببًا للانتشار.
وما كان يوجب الخجل وسيلةً للربح.
وما كان عيبًا مادةً للترفيه.
إن خوارزميات المنصات لا تميز بين الخير والشر، لكنها تكافئ ما يجذب الانتباه. ولهذا، فإن المحتوى الصادم، والفضائح، والمشاهد الخارجة عن المألوف، كثيرًا ما تنتشر أسرع من قصص العلم، أو الإحسان، أو الوفاء. وهذا يخلق وهمًا خطيرًا بأن المجتمع كله قد انهار، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا: الخير لا يزال موجودًا، لكنه أهدأ من أن ينافس الضجيج.
ومع ذلك، لا يجوز أن نكتفي باتهام المنصات.
فالمنصة لا تنتج ما لا يطلبه الناس.
كل مشاهدة تمنحها لمقطع يهين إنسانًا، هي تصويت على إنتاج عشرات المقاطع المشابهة.
وكل مشاركة لفضيحة، ولو بدعوى الاستنكار، تمنحها عمرًا جديدًا.
إن بعض الفضائح لم تكن لتخرج من حدود أصحابها، لولا أن ملايين الأيدي حملتها من شاشة إلى شاشة.
لقد أصبحنا، من حيث لا نشعر، شركاء في اقتصاد الفضيحة.
نستهجنها بألسنتنا…
ونمولها بأصابعنا.
ولعل أخطر ما نخسره ليس صورة المجتمع أمام العالم…
بل صورة الإنسان أمام نفسه.
فإذا اعتاد الطفل أن يرى الإهانة مادة للضحك، والفضيحة وسيلة للشهرة، والجريمة خبرًا عابرًا، فإننا لا نربي جيلًا أقل حساسية فحسب، بل نربي جيلًا قد يفقد قدرته على الوجع.
وأمة لا تتألم…
أمة لا تتغير.
إننا لا نحتاج إلى منصات أقل.
بل إلى ضمائر أكثر.
ولا نحتاج إلى كاميرات أكثر دقة.
بل إلى قلوب أكثر حياة.
ولا نحتاج إلى أخبار أكثر إثارة.
بل إلى بيوت تستعيد معنى الستر، وإلى آباء وأمهات يغرسون في أبنائهم أن الإنسان قد ينجو بالقانون، لكنه لا ينجو إذا مات ضميره.
فالمجتمعات لا تبدأ بالسقوط يوم تقع فيها أول جريمة…
بل تبدأ بالسقوط يوم تتوقف عن الارتجاف أمامها.
وحين يصبح الخبر مجرد خبر…
وتصبح الأم مجرد رقم…
ويصبح البيت مجرد محتوى…
فاعلم أن القضية لم تعد قضية جريمة.
بل قضية إنسان.
مع تحياتي ..
نعمة حسن












