كتاب «سنوات الجمر» بعيونٍ انتفاضية …

كتاب «سنوات الجمر» للدكتور … علي المؤمن بعيونٍ انتفاضية

 

ماجد آل حسين

(كاتب عراقي)

 

مع إطلالة الطبعة السادسة (المزيدة والمنقحة) لكتاب «سنوات الجمر: مسیرة الحركة الإسلامية في العراق»، عادت بي الذاكرة إلى بداية التسعينات من القرن العشرين، حيث ألجأتنا ظروف البطش الصدّامي إلى الهجرة من العراق بعد قمع الانتفاضة الشعبانية المباركة التي هزّت سلطة البعث؛ وكادت أن تطيح به.

 

لم أكن أعرف عن البحّاثة الشهير الدكتور علي المؤمن، ولكن شغفنا بالمطالعة التي حُرمنا منها جعل كتاب «سنوات الجمر» معشوق الكثير منّا، وكان عنوان الكتاب يأسر ذهن سامعه؛ ليثير فيه شجناً، وقد ظُلمنا حيث حُجزنا في مخيم رفحاء، فلم تصلنا إلا نسخة واحدة جعلتنا نكتوي بشوق الانتظار، ونتداولها فيما بيننا؛ كي تتكحل أحداقنا بقراءتها، وهي تعرض مسيرة الحركة الإسلامية لثلاثة عقود (من العام ١٩٥٧ إلى ١٩٨6) بأسلوب باهر ومنهج عميق.

 

كانت صفحات الكتاب تأخذك في رحلة تفصيلية المحطات، تقتنص كل شاردة وواردة، وتغوص في الأعماق؛ لتجعلك تعيش مع الحركة الإسلامية العراقية منذ بزوغ فجرها، وهي تولد برعاية مرجعية نابضة بروح الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر، إلى الأحداث التي صاحبتها، مروراً بمرحلة المواجهة ضد رجس البعث حتى شهادة إمامنا الشهيد، وما بعدها بست سنين، مع التوثيق الذهبي الذي يجعل الشجن الذي هيمن على جوانحك لحظة سماعك بعنوان الكتاب راسخاً؛ فتسيل دموعك لما تراه من الجرائم التي ارتكبها البعث بحق المؤمنين، لكنه في ذات الوقت يجعلك تتربع على قمة الفخر وأنت ترى الجهاد والجهود التي بذلها الأبرار في مقارعة الأشرار.

 

ومما يدهشك علمك بأن المؤلف القدير قد بدأ بكتابة سفره القيّم وهو في ربيع عشرينه، وأتمه بعد خمس سنين، ثم إن الحزن يغزوك عندما تعلم أن هذا الكتاب النفيس بقي حبيساً بلا طباعة؛ زهداً باسم مؤلفه العزيز بحجة عدم معرفته في ذلك الحين، حتى طبعه على نفقته عام ١٩٩٣. وكانت المفاجأة قد خطفت الأبصار، حيث كانت مبيعات الكتاب هائلة، حتى أُعيد طبعه ست مرات، فضلاً عن الطبعات غير الرسمية في العراق التي كانت خفية؛ حذراً من بطش السلطات التي كانت تقتل كل من يقتني الكتاب.

 

وقد مضى على مطالعتي للكتاب في بواكير صدوره ما يربو على ثلاثة عقود، وبقي في جعبتي عنه أنك ترى، كمطالع شغوف، أن الكتاب لا يتجمّد في طابع سردي، بل يحلّق بطريقة عملية توثيقية رصينة وتحليلية أمينة، تبحر لتشمل تأريخ الحركة الإسلامية في العراق، لتذوق براعة المؤلف في دراسة نشأة هذه الحركة، وتطورها التنظيمي والفكري، وصراعها مع السلطة السياسية خلال حكم حزب البعث. فالحركة الإسلامية لم تكن ظاهرة عفوية، بل نتاج تراكم فكري واجتماعي وديني، تشكّل عبر عقود من التفاعل بين المرجعية الدينية، والواقع السياسي، والتحديات الأيديولوجية مثل القومية والاشتراكية وغيرها. كما يوضح المؤلف أن هذه الحركة انتقلت من مرحلة الوعي الفكري إلى مرحلة التنظيم السياسي، ثم إلى مرحلة المواجهة والصدام، وهو ما شكّل مسارها التاريخي خلال (سنوات الجمر).

 

وفي حقل الجذور الفكرية للحركة الإسلامية، يبدأ الكتاب بتحليل الخلفيات التي مهّدت لظهور الحركة الإسلامية، ومنها: المرجعية الدينية في النجف، ودورها في الحفاظ على الهوية الإسلامية، والتحديات الفكرية الحديثة، مثل الشيوعية والقومية العربية، التي جذبت شريحة واسعة من الشباب، والحاجة إلى إطار تنظيمي حديث قادر على مواجهة هذه التيارات بلغة العصر. وفي هذا السياق، يبرز دور شخصيات فكرية، مثل الإمام الشهيد محمد باقر الصدر، الذي أسهم في تقديم مشروع حضاري إسلامي متكامل، تتماهى فيه العقيدة والشريعة والسياسة.

 

الحركة الإسلامية هنا لم تبدأ كحزب سياسي، بل كمشروع نهضوي يسعى لإعادة بناء الوعي الإسلامي في المجتمع. وفي مسرح تأسيس التنظيم وبداية العمل السياسي، ينتقل الكتاب إلى مرحلة تأسيس الحركة الإسلامية في أواخر الخمسينات، بوصفها أول تنظيم إسلامي شيعي حديث في العراق.

 

يبين المؤلف الخبير كيفية بناء التنظيم بشكل سرّي ومنهجي، باعتماده على الخلايا التنظيمية والعمل التربوي، وتركيزه على إعداد الكوادر فكرياً وعقائدياً؛ ليكون الهدف الأساسي بناء قاعدة شعبية واعية، وليس الوصول المباشر إلى السلطة. ومع تطور الأحداث السياسية، بدأت الحركة الإسلامية تتحول تدريجياً إلى فاعل سياسي معارض، فرضت عليها الظروف القاسية التحول إلى المرحلة الجهادية ضد الحكم العفلقي الصدّامي، الذي قطع كل أمل بالتعايش السلمي.

 

وفي حقل الصراع مع الأنظمة السياسية، يتناول الكتاب تطور العلاقة بين الحركة الإسلامية والأنظمة الحاكمة، خاصة بعد أن افترس البعث السلطة، مبرزاً عدة مراحل:

 

١- مرحلة الاحتواء الحذر: حاول النظام في البداية مراقبة الحركة دون صدام مباشر، لكنه أدرك -ظلماً وحنقاً- خطورتها الفكرية والتنظيمية.

 

٢- مرحلة التصعيد: مع تزايد نفوذ الحركة، بدأ النظام بملاحقتها، واعتقال عناصرها وتعذيبهم والتنكيل بهم بصور تعفّ عن فعلها الوحوش، وفرض قيود على نشاطها وعلى كل من يمتّ بصلة إلى أعضائها ومحبيهم.

 

٣- مرحلة المواجهة الشاملة: بلغ الصراع ذروته في السبعينات والثمانينات، حيث تعرضت الحركة إلى حملات اعتقال واسعة، وإعدامات، وتفكيك البنية التنظيمية، حيث أصبحت الحركة الإسلامية عدواً رئيسياً بنظر سلطة البعث، ولا سيما بعد خطواته الإفنائية لها، مما جعل خيار الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر العزم على الشهادة والإعلان عن الكفاح المسلح.

 

وفي آفاق دور المرجعية الدينية، يولي الكتاب أهمية كبيرة لدور المرجعية، خصوصاً في النجف، باعتبارها المرجعية الفكرية والشرعية للحركة، ومصدر الإلهام والتوجيه، الذي أصبح العمود الفقري للتوازن بين العمل الديني والسياسي. وهنا يبرز بشكل خاص دور الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر، والمرجعيات الدينية التي دعمت الحركة أو تفاعلت معها. كما يوضح أن العلاقة بين المرجعية والحركة لم تكن دائماً بسيطة، بل اتسمت أحياناً بالتعقيد بسبب الإختلاف

وأما في جانب التحولات التنظيمية والفكرية، نتيجة للضغط السياسي، شهدت الحركة الإسلامية تحولات مهمة، منها: الانتقال من العمل السرّي الداخلي إلى العمل الخارجي (المعارضة في الخارج)، ظهور فصائل واتجاهات متعددة داخل الحركة، وإعادة صياغة الخطاب السياسي ليتناسب مع المرحلة. كما يناقش المؤلف التحديات التي واجهت الحركة، مثل: الانقسامات الداخلية، وصعوبة الحفاظ على وحدة التنظيم، والتوازن بين الفكر والعمل السياسي.

 

وفي آثار سنوات القمع والذروة الدامية، يتجسد جوهر (سنوات الجمر)، حيث بلغت المواجهة أقصى درجاتها. ويصف الكتاب: الإعدامات التي طالت قيادات الحركة، والتضييق الشديد على النشاط الديني، واستهداف علماء الدين والمرجعيات الدينية. في هذه الفترة، حيث شمخت الحركة لتنتقل من مشروع سياسي إلى حركة صمود وبقاء، تحاول الحفاظ على وجودها رغم القمع الشديد الذي فاق كل وصف. وقد تركت هذه المرحلة آثاراً عميقة على: بنية الحركة، خطابها السياسي وعلاقتها بالمجتمع.

 

في ختام رحلته، يعرض المؤلف الحاذق النتائج العامة والتحليل النهائي، فيخلص إلى عدة نتائج مهمة: الحركة الإسلامية في العراق ظاهرة عميقة الجذور، وليست طارئة، ونجاحها في البقاء رغم القمع يدل على قوة بنيتها الفكرية والتنظيمية، وأن الصراع مع السلطة كان حتمياً بسبب تعارض المشروعين: الإسلامي والبعثي، والمرجعية الدينية لعبت دوراً محورياً في استمرار الحركة وتوجيهها،

 

وفي خلاصة مركزة؛ فإن الكتاب هو سرد تحليلي لمسيرة ثلاثين عاماً من الصراع الفكري والسياسي في العراق، يبين كيف تحولت الحركة الإسلامية من فكرة إلى تنظيم، ومن تنظيم إلى قوة سياسية، ثم إلى هدف للقمع الشديد. وهو لا يكتفي بوصف الأحداث، بل يقدم فهماً عميقاً لبنية الحركة، وأسباب صمودها، وتحولاتها تحت الضغط، مما يجعله مرجعاً أساسياً لفهم تاريخ الإسلام السياسي في العراق.

 

أخيراً، وفي نهاية العقد السادس من حياتي، ورغم أني مطالع متواضع ولست مختصاً، أدعو جميع المهتمين والقراء من كل الأذواق والأعراق لمطالعة هذا الكتاب الرصين الثمين.