
رسالة اليوم : حين ينتصر الأمل على اليأس
لا يخلو إنسان في هذه الحياة من الهموم والابتلاءات، فالمحنة سنة من سنن الله في خلقه، لا تفرق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، ولا بين ساكن المدينة أو الريف. تختلف صور المعاناة من شخص إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن كل إنسان يخوض في داخله معركة يومية مع الخوف والقلق وضغوط الحياة.
وليس الألم في كثير من الأحيان نابعًا من الحدث نفسه، بقدر ما هو نتيجة للطريقة التي ننظر بها إليه. فقد يمر شخصان بالتجربة ذاتها، فينهار أحدهما تحت وطأتها، بينما يجعلها الآخر نقطة انطلاق نحو النجاح والنضج. وهنا تتجلى قيمة الإيمان، بوصفه قوة روحية ونفسية تمنح الإنسان القدرة على الصبر والتكيف، وتدفعه إلى مواصلة الطريق مهما اشتدت المحن.
فالمؤمن الحق يدرك أن الفرج وعد إلهي صادق، وأن مع العسر يسرًا، لذلك يبقى متمسكًا بالأمل، آخذًا بالأسباب، رافضًا أن يسمح لقسوة الحياة أو ظلم البشر بأن يهزم يقينه. فالإيمان لا يمنع الألم، لكنه يمنح صاحبه القدرة على تحمله دون أن يفقد توازنه أو ينكسر.
وقد أشار الشيخ الطاهر ابن عاشور في تفسيره «التحرير والتنوير» إلى أن من مقاصد الإسلام حفظ كرامة الإنسان، وتقوية إرادته، وحثه على عمارة الأرض بالإصلاح والعمل. فالابتلاء ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لتهذيب النفوس، وإظهار معادن الرجال، وتعزيز قيمة السعي والاجتهاد، لأن الاستخلاف في الأرض لا يتحقق بالاستسلام، بل بمقاومة الفساد، وإحياء الخير، والثبات على الحق.
وعلى المستوى الاجتماعي، فإن المجتمعات التي يستولي عليها اليأس تتحول تدريجيًا إلى بيئات يسودها العنف والأنانية وفقدان الثقة، بينما تصنع المجتمعات التي تؤمن بالأمل والتعاون والإنسان مستقبلها بوعي وثبات، وتكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات. ومن أخطر ما يفعله الشر أنه لا يكتفي بصناعة الظلم، بل يحاول إقناع الناس بأن مقاومته مستحيلة.
إن كل كلمة طيبة، وكل عمل صالح، وكل يد تمتد لإغاثة محتاج، وكل موقف ينحاز إلى الحق، هو انتصار صغير على الظلام. فالانتصارات الكبرى تبدأ أولًا من داخل الإنسان، حين يهزم يأسه، ويستعيد ثقته بالله وبنفسه، قبل أن يواجه تحديات الواقع.
وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذا المعنى العظيم، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87].
إن الحياة ميدان ابتلاء وليست دار راحة دائمة، والإنسان المؤمن هو من يحوّل آلامه إلى حكمة، وتجاربَه إلى خبرة، وعثراته إلى خطوات تقوده نحو النضج. فليس الانتصار الحقيقي أن تخلو الحياة من الهموم، وإنما أن يبقى القلب عامرًا باليقين، وأن تظل الإرادة قادرة على مقاومة الظلام، لأن أعظم هزيمة للشر هي أن يعجز عن إطفاء نور الأمل في قلب الإنسان.
نسأل الله يقينًا ثابتًا، وإيمانًا راسخًا، وقلوبًا لا تعرف اليأس، وأرواحًا تستمد قوتها من حسن التوكل عليه.
عمر بن زيان












