حينَ يزهرُ الخريفُ

حينَ يزهرُ الخريفُ

 

قالتْ له: لا تقتربْ كثيرًا…

فأنا امرأةٌ لم تعدْ تُغريها البداياتُ المضيئة

فكم مِن شمسٍ أشرقَتْ أوَّلَ الطّريق

ثمّ تركتِ المكانَ أكثرَ بردًا

 

فقال لها: لم آتِ لأكونَ شمسًا عابرة ولا وعودًا غابرة

 

_أنا لا أبحثُ عن رجلٍ

يملأُ فراغًا

فقد تعلَّمتُ أنَّ الفراغَ الحقيقيَّ ليس غيابَ المُحبّين

بل غيابُ السَّلامِ معهم

 

_وأنا لا أبحثُ عنِ امرأةٍ تُكمّلُني

فقد أكملَتني الأيّامُ بما يكفي

أبحثُ عنِ امرأةٍ أشاركُها اكتمالَها

 

_لقد تَغيَّرنا… لم نعُدْ كما كنّا في ربيعِ العُمرِ

 

_ليسَ النُّضجُ أنْ نكفَّ عنِ الحُلْمِ

بل أنْ نُحسِنَ اختيارَ مَن نُشارِكُهُ الحُلْمَ

 

_وهٰذا أجملُ ما في الأمرِ…

كنّا نبحثُ عمَّن يُبهرُنا

أمّا الآن فإنّنا نبحثُ عمَّن يُطمئِنُنا

 

_في خريفِ العُمرِ لا نبحثُ عمَّن يُشعِلُ فينا الدَّهشةَ

بل عمَّن يُقيمُ في أرواحِنا السَّكينةَ

 

_ولٰكنْ ألا يعني الخريفُ أنَّ بعضَ الأشياءِ أعلنَتْ بدايةَ النّهاية؟

 

_بل يعني أنَّ بعضَها نضجَ وحانَ قِطافُه

فالأشجارُ لا تفقدُ قيمتَها حينَ تسقطُ أوراقُها

لأنّها تتحدّى الرّيحَ بجذورِها

تعالَيْ… تعالَيْ نزرعُ الخريفَ غرسًا

فالشّتاءُ لا يكسرُ الأغصانَ النّضرة

 

_وماذا لو طالَ الشّتاءُ؟

 

_فلْيَطُلْ… فنحنُ لا ننتظرُ ربيعًا يعيدُ لنا ما مضى

بل نصنعُ دفئًا يكفينا ونحن نعبرُه

 

_إذًا أنتَ لا تَعِدُني

بأيّامٍ بلا تعبٍ؟

 

_لا أعدُكِ..

فذٰلك وعدٌ لا يملكُه بشرٌ

لٰكنّي أعِدُكِ ألّا أكونَ غُصنًا يُثقِلُ كتِفَ الرّيحِ

أعِدُكِ أنْ أكونَ رفيقَ دربِكِ إذا ضاقَ

وسندَ صمتِكِ إذا أعياهُ الكلام

وأعدُكِ أنْ لا أكونَ عبئًا على روحِكِ

ولا عابرًا في ذاكرتِكِ

 

_وماذا تريدُ منّي؟

 

_أنْ تَبقَيْ كما أنتِ…

فالمرأةُ الّتي صنعتْها الأيّامُ ليستْ بحاجةٍ إلى مَن يُغَيِّرُ طبائعَها

بل إلى مَن يعرفُ قيمتَها

 

_إذًا عليَّ أنْ أشعرَ بالطّمأنينةِ

فأنتَ لا تبحثُ عن زهرةٍ تهوى قطفَها

بل عن شجرةٍ تتفيّأُ في ظلِّها

 

_نعم…

فأنتِ لستِ موسمًا عابرًا مع الفصول

أنتِ شجرةٌ عريقةُ الأصولِ

وأنا رجلٌ أيقنَ أنَّ الجمالَ ليس فقط في الزُّهورِ

بل في عمقِ الجذور

فالرَّبيعُ الحقيقيُّ يا صديقتي ليس فصلًا يأتي

بل قلبٌ يعرفُ كيف يُنبتُ الحياة

هيّا… هاتِ يدَكِ…

فالعُمرُ رحلةُ مُحاربٍ

فلنُبحرْ معًا في قاربِ السَّكينة

ونتركْ على شاطئِ الأمسِ ما أثقلَ أرواحَنا…

فليسَ كلُّ ما رحلَ يستحقُّ أنْ نُلاحقَه

ولا كلُّ ما تأخّرَ كانَ خسارةً

تعالَيْ… لنُبحرَ حيثُ لا ضجيجَ إلا صوتُ القلب

ولا وجهةَ إلا سلامُ الرّوح.

عايدة قزحيّا

“حين تنضج الأرواح”