
عامان مرّا على رحيلك
عامان مرّا على رحيلك … عامان كاملان …لكنك ما زلت هنا … أرى طيفك في كلّ زاوية من هذا البيت… …في كلّ مكان…في كلّ تفصيل … الغياب لم ينجح في محو أثرك وحضورك لا يراه الآخرون لكن روحي تحسّ به …منذ ذلك اليوم الذي غادرت فيه دون سابق انذار تغيّر الزّمن … توقّفت سيرورته … صار يلتفّ حولي كمارد أسود.والبيت الّذي كان يمتلئ بصوتك ماعدت اسمع فيه غير الصّدى…والأشياء الّتي كانت تجمعنا ….تلك التّفاصيل الصّغيرة الّتي كانت تنبض بالحياة صارت تنظر إليّ بصمت لا يرحم.. صارت غريبة عنّي….لم تعد تعرفني …كلّ شيء ما زال في مكانه …لكن النبض تغيّر والألوان بهتت …انسحبت الحياة منها ولم يبق منها غير الهياكل …لكني مع ذلك ما زلت أقف آخر الليل عند الشرفة بذلك القلق السّاذج كأن المعجزة ممكنة ..أراقب الطريق وأنتظر …. انتظرك كما لو أنّ قلبي لم يصله خبر رحيلك … أنتظر سماع وقع خطواتك .. أن يفتح الباب و تدخل لتسألني عن شيء ما أو تحكي لي طرفةلا أتذكرها اليوم لكنني أتذكر ضحكتك بعدها. ..
نعم…ما زلت أنتظرك.
العقل فهم واستوعب لكن القلب ما زال يرفض التصديق. ما زلت ألتفت كلما سمعت حركة خلف الباب في اعتقاد انك تختبئ هناك ….. أتحدّث اليك احيانا وابوح لك بما لم ابح لك به حين كنت هنا …أهمس لك بأنّي لم أعد غاضبة منك لانّك رحلت دون ان تخبرني ….دون أن تمنحني فرصة لوداعك … ومع ذلك لم أتخلّص من حالة الانتظار . .. بيدي أمسكت وثيقة رحيلك وعقلي سلّم بحقيقة مغادرتك وفهمت جيدا أن الموت ليس احتمالا مؤجّلا وأنّه الوجه الآخر للحياة ولا مفرّ من مواجهته وأنه لا يستأذن أحدا حين يأتي، ولا يمنحنا الوقت لنتهيّأ لاستقباله و ترتيب كلماتنا الأخيرة.
لكن القلب…
ذلك الكائن العنيد الّذي يسكن صدورنا…
مازال يقف عند الباب… ما زال يقف كل يوم على حافة الانتظار… مازال يراقب الطريق وبنتظر …
اي فوضى هذه التي تجتاحني …اي انشطار هذا الّذي يجعل الانسان يعرف الحقيقة بينما ينكرها قلبه..وبكلّ ما أوتي من حنين ينتظر ..
انتظرك و روحي عالقة في ذلك اليوم … ذلك الصّباح و تلك الدّقائق المرعبة الّني رأيت فيها جسدك مسجّى…. ساكنا …..هادئا ….كنت اعتقد انّك نائم وأنّك دون أدنى شك ستفتح عينيك بعد بضع دقائق كعادتك وتبتسم…لم يخطر ببالي ولو للحظة واحدة أن الموت يستطيع أن يكون بكل هذا الهدوء. فقد عهدته صاخبا …وقحا يعلن عن نفسه، وقد يقرع الأبواب بعنف مهدّدا قبل أن يدخل. … عرفت معنى الفقد وحرقته وشرب كثيرا من دمعي ..عرفت الموت سابقا وتجرّعت مرارته لكنّه لكن لم اعهده مخاتلا ….بل يصرخ بأعلى صوته متوعّدا بأنه يمكن أن ينهي مهمّته في أيّ لحظة لذلك لم أتوقّع أبدا ان يتسلّل ذلك الوحش كضيف مهذّب أو كلصّ يعرف المكان جيّدا فيدخل على أطراف أصابعه ليسرق روحك ثم يغادر بنفس الهدوء .
عامان …سنتان كاملتان
حاولت خلالها أن أكذب على نفسي …أن أصدّق ما كنت أسمعه وأقرأه عن الزّمن وقدراته العجيبة على تضميد الجراح….وأنّ الحزن يولد كبيرا لينتهي صغيرا ختى يتلاشى مع الوقت …كم كانت تلك الأقاويل تشعرني بالطّمأنينة. .. كنت أتشبّث بها كما يتشبّث الغريق بطوق نجاة صغير ومهترئ ..أردّدها لنفسي كلما أثقلني الغياب وأبتلعها كأقراص مهدّئة لتخفيف وجع عجزت عن ترويضه لكن اتّضح أنّها مجرّد أقاويل .مرت الأيّام والأسابيع ثم الأشهر .كنت اواسي نفسي واقول لها بعد عام سيخفّ هذا الثّقل الجاثم على صدرك …سوف يأتي النّسيان كما قيل لي ….
ثمّ مرّ العام الأوّل …
ولم يأت …. لم تتخفف روحي…. لم تنطفئ اللّوعة ولم تعرف طريقها إلى السّكون . وكم كان يؤلمني ان أسمع من يقول لي مستنكرا : انسي لقد مر عام على وفاته…أمازلت على هذه الحال ! …فاهمس لنفسي كمن يريد الدّفاع عن عدالة وجعه : من يدري …ربّما يحتاج القلب إلى عام آخر.
ثم مضى العام الثاني…
اكتشفت بعد عامين من رحيلك أنّ الزّمن لا ينسينا من أحببنا بل يعلّمنا كيف نحملهم بدواخلنا ليقيموا فينا كهمس لا يهدأ…كصوت خفيّ يوقظنا وينبّهنا كلّما غفلن عن حقيقتنا …
عامان كاملان …
تغيّر خلالها كلّ شيء …
تدرّبت على مهل أن أكون سندا لنفسي ….
لم أعد أفتح الهاتف بانتظار أحد….
تعلّمت أن بعض الطّرق لا يمكن أن نعبرها الّا بمفردنا….
تعلّمت أنّ المحن قدرتها مذهلة على الغربلة وأنّ الزّوائد تسقط في الشّدائد….
تعلّمت أنّ الدائرة حين تضيق تطرد الأوهام واحدة تلو الأخرى وتفقد كثير من المعارك الصّغيرة أهمّيتها ….
أدركت أنّ الألم لا يهدم بل هو قوة تملك بصيرة لا تملكها الفرحة …
تعلّمت أنّ العزلة لا تعني هروبا أو هزيمة بل مساحة من الصّفاء القاسي الّذي أتاح لي سماع صوتي الحقيقي …
تعلّمت أن أضمّ قلبي حين يضيق بحمله واترك دمعة الصباح وآخر اللّيل تنساب حرّة …
تعلّمت أن أحمل ذاكرتي برفق وأعتاد ضجيجها وفوضاها …
توقفت محاولاتي لمقاومة الوجع و صرت متعايشة معه … أتركه يجلس بجانبي ..يشرب من قهوتي ..يقتات من طعامي ..يعربد بداخلي كطفل عابث ثم يمضي لحاله فأترك له الباب مواربا كي يعود متى أراد …
تعلّمت أنّ بعض الغياب لا يطوي الحكاية بل يفتح لها بابا سرّيا نحو عمق لم نكن نراه. … بقلم عشتار بن علي











