
مرارة البدايات.. صحوة النهايات
النهايات المؤلمة والصادمة ليست سوى صدمات توقظ الوعي وتكسر وهم التعلق بالزائف، ومثل رشفة القهوة الأولى التي تلسع اللسان بمرارتها، تمنحنا النهايات الصعبة صحوةً ذهنية تفتح أعيننا على حقيقة أنفسنا ومحيطنا، وتدفعنا لإعادة ترتيب أولوياتنا، والوقوف مجدداً بصلابة أكبر ونضج أعمق…
كثيراً ما نعيش في دوامة من العلاقات، أو الوظائف، أو الأماكن التي لم تعد تناسبنا، ونستمر فيها فقط بدافع الخوف من التغيير أو الرغبة في البقاء بمنطقة الراحة، في مثل هذه الحالات، تأتي النهاية -رغم مرارتها- بمثابة صفعة لطيفة من القدر، إنها تنبهنا إلى أن البقاء في مسار خاطئ يستهلك طاقاتنا، لتكون بذلك نقطة انطلاق جديدة…
١. صدمة الاستيقاظ
عندما نصطدم بنهاية غير متوقعة، فإنها تخرجنا فوراً من حالة “التخدير العاطفي” أو “الاعتياد”، المرارة هنا تعمل كمنبه للعقل، تزيح الغشاوة عن الأعين وتجعلنا نرى الأمور على حقيقتها، لنبدأ بطرح الأسئلة الصحيحة: أين نقف؟
وإلى أين نحن ذاهبون؟…
٢. صقل الشخصية
الأشخاص الذين مروا بنهايات قاسية وعاشوا مرارتها، ليسوا هم ذاتهم الذين كانوا قبلها، فالمرارة تصقل الروح وتمنح صاحبها حدساً أقوى، وحكمة أكبر في تقييم الأشخاص والمواقف، الألم يعلّمنا دروساً لا يمكن لأي تجربة أخرى أن تمنحها لنا…
٣. فرصة إعادة البناء
النهاية تعني ببساطة إفساح المجال لشيء جديد، كما نستمتع بنكهة القهوة التي تليها، فإن ما بعد الصدمة هو فترة ذهبية لاكتشاف الذات، هي الفرصة الأنسب للتخلص من كل ما يعيق تقدمنا، والبدء في كتابة فصل جديد من حياتنا بشروطنا نحن…
خلاصة القول لا يجب أن نخشى النهايات المرّة، بل يجب أن ننظر إليها كجرعة من “الوعي المركز”، تماماً كفنجان القهوة الذي نشربه ليبدد نعاس الصباح، فإن هذه النهايات تبدد غفلتنا، وتمنحنا القوة والوضوح لنستمر في معترك الحياة بعيون مفتوحة وإرادة لا تلين.
د. محمد صالح القيسي
العراق / بغداد











