يوماً ما

يوماً ما، تبتعد بخطوات هادئة، تظن أن غيابك سيحدث دوياً أو يترك فراغاً، لكنك تكتشف أنك انسحبت من حياة أحدهم كما تنزلق قطرة ندى من على ورقة شجر .. بلا أثر، وبلا نداء يرجوك أن تعود، بل ربما براحة صامتة وكأن غيابك كان أمنية لم يجرؤوا على البوح بها.

 

بالأمس القريب، كنت في عيونهم الحكاية كلها، النور الذي لا يستغنى عنه، والكتف الذي يميلون عليه. واليوم؟ يفلتون يدك ببرود عجيب، وكأنها لم تكن يوماً طوق نجاتهم. ينظرون إليك وأنت تتسرب من بين أصابعهم دون أن يرف لهم جفن، بلا ندم، وبلا التفاتة لماض كنت فيه مستعداً أن تقتسم معهم عمرك.

 

حسبتهم بسيطة جداً، وباردة كشتاء بلا مدفأة: الأيام تمضي، شخص يغادر وآخر يجيء، والوجوه كلها قابلة للاستبدال. أما أنت.. فكانت حسبتك مختلفة. كانوا هم الركن الهادئ، والبيت الذي خبأت فيه طمأنينتك. لم تستعد يوماً لغيابهم، لأنك لم تتخيل أصلاً أن القلب قد يفرغ يوماً من ساكنيه.

 

لكنك لست ساذجاً، وهم ليسوا أشراراً بالضرورة. إنها فقط طبيعة الأشياء واختلاف الأرواح. كل منا يقرأ الحياة بلغة تشبهه؛ لغتهم العابرة التي لا تتمسك بأحد، ولغتك العميقة التي لا تعرف كيف تتخلى. لا داعي للبكاء على عتباتهم، ولا لارتداء ثوب الضحية، ولا لجلد الذات على صفقة عاطفية خاسرة. العتاب لا يحيي وداً مات، ومشاعرنا أثمن من أن تنثر في طرقات من لا يقدرها.

 

في النهاية، تبتسم بقلب صاف وإن كان متعباً، تتنهد بهدوء وتتذكر صوت الجدات الدافئ، حين كن يختصرن كل فلاسفة الأرض بكلمات تشبه رائحة الخبز والمطر، يقلنها بتسليم مطلق للسماء: الله جاب .. الله خد .. والله عليه العوض.

 

فامض يا صاحبي، خفيفاً كما جئت،

فمن ارتضى لك الغياب، لا يليق به نور حضورك ..

ودع أمرك للسماء، فالله دائماً وأبداً، عليه العوض.

بقلم سجين_الوجع ᷟ