ثمن الشجاعة في مجتمع منافق

بقلم د. حسام الدين فياض

” في اللحظة التي تتحول فيها المجاملة إلى معيار اجتماعي أعلى من الحقيقة، تصبح الشجاعة عبئاً مكلفاً، ويغدو الثمن الذي يدفعه صاحب الموقف الواضح هو أول دليل على أن المجتمع لا يخاف من الخطأ بقدر ما يخشى من كشفه “(الكاتب).

 

تعد الشجاعة إحدى الركائز الأساسية التي تتشكل من خلالها شخصية الإنسان، لأنها تمنحه القدرة على التعبير عن ذاته بوضوح، واتخاذ مواقفه بثبات، وتحمل مسؤولية ما يؤمن به دون تردد أو مواربة. فالإنسان الشجاع لا يكتفي بامتلاك القناعة، وإنما يحولها إلى موقف معلن وسلوك منسجم مع منظومته القيمية، لذلك يغدو الوضوح امتداداً طبيعياً لشجاعته، وليس مجرد مهارة في التعبير أو أسلوب في الحوار.

 

وحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، يعكس هذا الاتساق مستوى مرتفعاً من النضج النفسي، إذ تنخفض لدى الفرد حاجته إلى استرضاء الآخرين أو إعادة تشكيل مواقفه وفق تغير الظروف والمصالح، فيصبح أكثر قدرة على الحسم، وأقل ميلاً إلى الاحتماء بالغموض أو الاحتمالات المفتوحة. ولهذا فإن وضوح الإنسان يكشف عن قوة شخصيته بقدر ما يكشف عن استقلاله النفسي، لأن الإرادة الواثقة لا تبحث عن مخارج للهروب، بل تبحث عن الطريق الذي ينسجم مع قناعاتها مهما بلغت كلفته.

 

غير أن هذه العلاقة بين الشجاعة والوضوح لا تجد دائماً البيئة الاجتماعية التي تحتضنها، إذ تنشأ في كثير من المجتمعات أنماط ثقافية تعيد تعريف النجاح وفق معايير تختلف عن المعايير الأخلاقية المعلنة. فكلما اتسعت دوائر المصلحة، وضعفت الثقة بين الأفراد، وتراجعت قيمة المساءلة، أصبح الغموض رأسمالاً اجتماعياً، وغدت القدرة على تغيير المواقف تبعاً للظروف نوعاً من الذكاء العملي الذي يكافأ عليه صاحبه. وفي ظل هذه البنية، تتسع الفجوة بين الخطاب والممارسة، فالمجتمع يمتدح الصدق في أقواله، لكنه يمنح الامتيازات لمن يجيد التلون، ويثني على الوضوح من حيث المبدأ، ثم يضيق ذرعاً بكل من يكشف تناقضاته أو يرفض مسايرتها. ومن هنا تتحول الشجاعة الأخلاقية إلى عبء اجتماعي، لأن صاحبها يواجه بيئة اعتادت التكيف مع أنصاف الحقائق أكثر من اعتيادها على مواجهة الحقيقة كاملة، بينما ينجح المتلاعب في كسب القبول لأنه يوزع مواقفه بما يرضي الجميع، ولو كان ذلك على حساب القيم التي يعلن احترامها.

 

وتكشف لنا هذه المفارقة عن أزمة أعمق من مجرد اختلاف في الطباع الفردية، فهي تعبر عن اختلال في البناء الثقافي الذي يصوغ وعي المجتمع ويحدد معايير التقدير والنجاح داخله. فحين يصبح الوضوح سبباً للعزلة، ويغدو الصدق مدعاة للريبة، بينما تتحول المراوغة إلى وسيلة للصعود الاجتماعي، فإن الخلل لا يعود كامناً في الأشخاص بقدر ما يستقر في الثقافة التي أعادت ترتيب سلم القيم، فرفعت شأن المناورة على حساب النزاهة، وقدمت السلامة الشخصية على حساب الشجاعة الأخلاقية. ولهذا فإن إصلاح المجتمعات لا يبدأ بإكثار الحديث عن الفضائل، وإنما بإعادة بناء البيئة الاجتماعية التي تكافئ أصحاب المواقف الواضحة، وتجعل الاتساق بين الفكر والسلوك معياراً للاحترام والثقة. فالمجتمع الذي يعتاد معاقبة الصادقين وتشجيع أصحاب الأقنعة، ينتهي تدريجياً إلى إنتاج أفراد يتقنون فن التكيف أكثر مما يتقنون فضيلة الصدق، وعندها يصبح الغموض ثقافة عامة، ويغدو الوضوح استثناء يحتاج إلى شجاعة أكبر من أي وقت مضى.

 

نصيحتي لك، لا تهدر سنوات عمرك في مراقبة ما يفعله الآخرون أو في الانشغال بتصحيح مساراتهم، فالعمر أقصر من أن يستهلك في معارك لا تثمر. وجه طاقتك الحيوية إلى بناء علم ينفعك، ومهارة ترفع من قيمتك، وعمل يترك أثراً يبقى بعد غيابك.

 

فالإنسان لا يقاس بكثرة ما انتقد، ولا بعدد ما انتصر فيه من جدالات، وإنما بما أضافه إلى نفسه وإلى الحياة من معرفة، وإبداع، وخير. وكل يوم تستثمره في تطوير ذاتك هو خطوة هادئة نحو مستقبل يصنعه جهدك، لا ثرثرة الآخرين، ونحو حياة يصبح فيها حضورك قيمة تلهم من حولك، لا مجرد اسم مر عابراً بين الناس، كما ستكتشف أن أعظم الإنجازات ليست تلك التي يصفق لها الناس في لحظتها، بل تلك التي تستمر في خدمة الحياة بصمت، حتى بعد أن يغيب أصحابها عنها بسنوات طويلة. دمتم بخير أصدقائي الأعزاء.

د. حسام الدين فياض