من يحكم المجتمع… سلطة المال أم سلطة العقل؟ “

بقلم د. حسام الدين فياض                                          حين يتكلم المال، يصمت العلم، لا لأن الحقيقة غابت، بل لأن زمننا أصبح يمنح النفوذ للمادة أكثر مما يمنحه للفكرة ” (الكاتب).

لم تعد المعرفة في كثير من المجتمعات المعاصرة تمتلك السلطة الرمزية التي كانت تخولها قيادة الرأي العام، بل أخذت هذه السلطة تنتقل تدريجياً إلى من يمتلك الثروة والنفوذ الاقتصادي. فالكلمة لم تعد تقاس بعمقها، وإنما بالمكانة المالية لقائلها، وأصبح المال قادراً على إعادة تشكيل معايير المصداقية الاجتماعية، حتى غدا الرأي يقبل قبل فحص منطقه، ويرفض قبل مناقشة حجته، تبعاً للموقع الاقتصادي لصاحبه. ومن منظور علم النفس الاجتماعي، يفسر ذلك بما يعرف بالانحياز إلى المكانة، إذ يميل الأفراد إلى افتراض صحة أفكار الأشخاص ذوي النفوذ والثروة، لأن العقل البشري كثيراً ما يخلط بين النجاح الاقتصادي والكفاءة الفكرية. وهكذا لا يغيب العلم عن المشهد لأنه فقد قيمته، وإنما لأنه أصبح ينافس سلطة أكثر قدرة على التأثير في الإدراك الجمعي وصناعة الانطباعات.

ومن منظور علم الاجتماع النقدي، لا يمثل هذا التحول مجرد خلل أخلاقي، بل يعكس إعادة إنتاج لعلاقات القوة داخل المجتمع. فالمال لا يشتري السلع والخدمات فحسب، بل يستطيع أيضاً أن يؤثر في تشكيل الخطاب العام، وتحديد من يستحق أن يسمع ومن ينبغي أن يهمش. لذلك تتراجع المكانة الاجتماعية للعالم والمفكر عندما تتحول القيمة الإنسانية إلى قيمة سوقية، ويصبح رأس المال الاقتصادي هو المرجع الأعلى لتوزيع الاحترام والهيبة والاعتراف الاجتماعي. وفي مثل هذا الواقع، لا ينتصر الرأي الأكثر برهاناً، بل الرأي الأكثر قدرة على الوصول والانتشار، فتتسع الفجوة بين الحقيقة وما يقدم للناس على أنه حقيقة، ويتحول الصمت العلمي إلى نتيجة طبيعية أمام ضجيج المصالح لا إلى دليل على غياب المعرفة.

إن أخطر ما يفرزه هذا الواقع ليس تراجع مكانة العلماء وحدهم، بل تشكل وعي اجتماعي يربط القيمة الإنسانية بحجم الثروة، ويقيس الحكمة بمقدار النفوذ، فينشأ جيل يتعلم أن النجاح المالي يمنح صاحبه سلطة الحديث في كل شيء، بينما يصبح التخصص والخبرة مجرد فضائل ثانوية. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإنه لا يخسر علماءه فقط، بل يخسر قدرته على التمييز بين البرهان والدعاية، وبين المعرفة الحقيقية والوجاهة المصطنعة. فالأمم لا تنهض عندما يكون المال سيد القرار، وإنما عندما يستعيد العلم مكانته بوصفه المرجعية التي تهذب المال، وتوجه القوة، وتحمي المجتمع من أن تتحول الثروة إلى المعيار الوحيد للحقيقة والاحترام.

وفي النهاية، تذكر دائماً أن تعاظم مكانة المال في الوعي الجمعي لا يعني تراجع قيمة المبادئ، بل يكشف عن مرحلة تاريخية تختبر فيها صلابة الضمير واستقلالية العقل. فلا تدع المعايير السائدة تختزل الإنسان فيما يملك، لأن الثروة قد تمنح النفوذ، لكنها لا تمنح بالضرورة الحكمة، وقد تفتح أبواب المكانة، لكنها لا تضمن استحقاق الاحترام. واجعل معيارك الدائم ما يحمله الإنسان من علم، وما يلتزم به من أخلاق، وما يتركه من أثر نافع في حياة الآخرين، فالمجتمعات تتغير، وموازين القوة تتبدل، أما القيم الراسخة فهي وحدها التي تمنح الإنسان مكانته الحقيقية، وتبقى عصية على تقلبات الزمن. دمتم بخير أصدقائي.
د. حسام الدين فياض