المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال

في لحظة شك وجودية عاصفة، تهاوت أمام عينيه صروح المعرفة اليقينية، وانكسرت براهين العقل والحواس على صخرة السفسطة والعدم. لمتحول ذلك الانكسار إلى مخاض روحي قاسٍ أفضى به إلى شلل معرفي كامل، قبل أن يقذف الله في قلبه نوراً لا يُستدل عليه بالمنطق، ليضيء له مسالك اليقين وينجيه من ضلالات عصره.

 

“المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال”

لحجة الإسلام الإمام الفيلسوف والمتصوف أبي حامد الغزالي.

 

— التأطير المعرفي

 

تجسد ساحة القرن الخامس الهجري مشهداً محتدماً بالصراعات السياسية والتمزقات المذهبية؛ حيث تغلغلت الفلسفة اليونانية في العقل الإسلامي، واشتدت وطأة الجدل الكلامي العقيم، وتنامى الخطر الباطني المسلح بأيديولوجيا التعليم المعصوم. في قلب هذا المعترك، وقف صرح المدرسة النظامية ببغداد، ووقف على قمته أكبر علمائها، محاصرا بمأزق معرفي خانق. لم يكن الفراغ يكمن في قلة المدارس الفكرية، بل في تضاربها وعجزها عن تقديم “اليقين الجازم” الذي لا تزلزله الشبهات، والذي لا يُبقي مجالاً للريب. انطلاقاً من هذا الاستعصاء المعرفي والروحي، تبرز ضرورة هذا العمل بوصفه رحلة تشريحية شاقة، يعمد فيها المفكر إلى اختبار أدوات المعرفة الإنسانية، وتفكيك مناهجها السائدة، ليؤسس على أنقاضها معراجاً صوفياً خالصاً ينتهي بصاحبه إلى الطمأنينة المطلقة.

 

— من يقين الحواس إلى أزمة السفسطة وانكسار العقل

 

يؤسس المفكر مدخله التشريحي بتتبع جذور المعرفة انطلاقاً من التمرد على عقائد التقليد التي تُورث عن الآباء. يشرع في اختبار أدوات الإدراك البشري بحثاً عن علم يبلغ من الجلاء حداً يستحيل معه الشك. يضع الحواس أولاً تحت مجهر المساءلة، ليثبت خيانتها للإنسان من خلال أمثلة البصر الذي يرى الظل ثابتاً وهو متحرك، ويرى الكوكب بحجم الدينار وهو أكبر من الأرض. ولما سقطت موثوقية المحسوسات، ارتقى للبحث في الضروريات العقلية البديهية، لكن العقل ذاته وقع في فخ الشك حين ساءله المفكر: أليس من الممكن أن توجد حالة وراء العقل تُكذب أحكامه، تماماً كما يُكذب اليقظةُ أحلامَ النائم؟ دفع هذا التساؤل الجذري المفكر نحو هاوية السفسطة والإنكار، حيث مكث قرابة شهرين في حالة من الشلل المعرفي التام، مريضاً بمرض اللايقين، حتى استعاد توازنه ليس ببرهان منطقي أو حجة مرصوصة، بل بنور قذفه الله في صدره، مثبتاً أن الكشف الرباني هو المفتاح الحقيقي لاستنقاذ العقل من عماه.

 

— تفكيك المناهج المعرفية ومساءلة المتكلمين والفلاسفة

 

بعد استقرار البدهيات العقلية، يوجه المفكر مشرطه النقدي نحو الأصناف الأربعة المتصدرة لادعاء الحقيقة في زمانه. يبدأ بعلم الكلام، فيستنبط أنه علم رتب لحفظ العقيدة وحمايتها من تشويش المبتدعة، لكنه يبرهن على قصوره في جلب اليقين الصافي؛ لكونه يعتمد على مقدمات ومسلمات مأخوذة من الخصوم لا يصادق عليها العقل المجرد، ولذا فهو يصلح كعلاج لمرضى الشبهات ولكنه لا يشفي غليل الباحث عن الحقيقة المطلقة. ينتقل بعد ذلك في رحلة غوص استمرت ثلاث سنوات لدراسة الفلسفة، ليخرج بتصنيف دقيق يقسم فيه الفلاسفة إلى دهريين، وطبيعيين، وإلهيين كأرسطو وأفلاطون. يُقر المفكر بصحة بعض علومهم كالرياضيات والمنطق، محذراً من خطرين متناقضين: خطر الجاهل الذي يرفض حقائق العلم الصحيحة ظناً منه أنه ينصر الدين، وخطر المفتون الذي ينسحب إعجابه بالرياضيات إلى قبول كفريات الفلاسفة في الإلهيات. يحصر المفكر التكفير في ثلاث قضايا رئيسة: إنكار بعث الأجساد، والقول بأن الله يعلم الكليات دون الجزئيات، والقول بقدم العالم، مفككاً بذلك الهالة المقدسة التي أُحيط بها العقل الفلسفي اليوناني.

 

— نقض سلطة الإمام المعصوم وإبطال المذهب التعليمي

 

يخوض المفكر معركة حاسمة ضد الباطنية أو التعليمية، وهم أصحاب المذهب القائل ببطلان الرأي والضرورة الملحة لـ “إمام معصوم” يُتلقى عنه العلم. يفكك هذا المذهب بإظهار عقم محتواه وتهافت بنيانه المنطقي. يبرهن على أن الحاجة إلى معلم معصوم تلبيها حقيقة وجود النبي محمد، وأن البحث عن إمام غائب مخبأ لا يسد حاجة العوام ولا يحل مشكلاتهم الفقهية أو الروحية المستجدة. يتتبع مسار جدالاتهم ليثبت أن منهجهم يؤدي إلى تعطيل العقل ووقف الاجتهاد، وأنهم يستدرجون الضعفاء بوعود اليقين، ثم يتركونهم في حيرة أشد، ليخلص إلى أن خطرهم يكمن في إغلاق نوافذ البحث الحر واحتكار النجاة في شخصية وهمية لا طائل من انتظارها.

 

— الارتحال نحو الكشف الصوفي ومقاربة حقيقة النبوة

 

يتوج المفكر رحلته بالانعطاف نحو طريق الصوفية، مكتشفاً أن هذا المنهج لا يكتمل بمجرد دراسة الكتب وحفظ المصطلحات، بل يتطلب المكابدة، وتزكية النفس، والابتعاد عن علائق الدنيا. يسرد تفاصيل صراعه النفسي الدرامي الذي انتهى بهجره لمناصبه الأكاديمية الرفيعة في بغداد، ضارباً في الأرض متجرداً نحو دمشق والقدس ومكة. من خلال هذه الخلوة والمكاشفة الدوقية، يبني المفكر أطروحته الأعظم حول “حقيقة النبوة”. يؤسس البرهان على أن النبوة ليست مجرد عبقرية أو نضوج عقلي، بل هي طَوْرٌ إدراكي يتجاوز العقل، تماماً كما يتجاوز العقل مرحلة التمييز، وكما يتجاوز التمييز مرحلة الحواس. ويستشهد على إمكانية هذا الطور بظاهرة الرؤيا الصادقة في المنام، وبعلوم الطب والفلك التي تحتوي على خواص لا يُهتدى إليها بالتجربة العقلية بل بالإلهام، جاعلاً من التجربة الصوفية ذوقاً يقارب أنوار النبوة ويشهد بصدقها.

 

— الذروة الفكرية

 

يبلغ المعمار الفكري ذروته الإحكامية حين يغلق المفكر دائرة رحلته بالعودة إلى نقطة البدء، ولكن بوعي جذري مغاير. يبرهن في ختام نصه على أن عزلته التي امتدت لعشر سنوات لم تكن هروباً نهائياً، بل كانت مختبراً لتنقية البصيرة. تتجلى الأطروحة النهائية المحكمة في إدراكه لمدى تفشي “المرض” في جسد الأمة، المتمثل في فتور العقيدة، وشيوع الاستخفاف بالشرع، وتصدر علماء السوء. هذا الواقع الضاغط، مقروناً بإشارات إلهية وحث من العارفين، فرض عليه قطع العزلة والعودة إلى التدريس في نيسابور. عاد لا باحثاً عن الجاه الذي تركه، بل منطلقاً من موقع “الطبيب” الذي يملك الدواء النبوي الفعال لمعالجة أمراض القلوب. يغلق العمل نصه تاركاً حقيقة ناصعة: إن العقل البشري، مهما بلغ من الحدة، يظل قاصراً ومعرضاً للتهلكة، ما لم يخضع لانقياد تسليمي لطور النبوة المفضي إلى استنارة الروح وصحة القلب.               الصفحة الرسمية للكاتب سالم يفوت