
أعمدة الذَّاتِ
أعمدة الذَّاتِ
« الطُّفُولَةُ وَالشَّبَابُ فِي أَعْمَاقِنَا تتَجَلَّى فِي تَصَرُّفَاتِنَا وَأَحَادِيثِنَا وَأُسْلُوبِنَا. »
« كُلُّ تَأْوِيلٍ يَخْتَلِفُ بِشَكْلٍ واخَرِ، لَكِنَّهُ يَلْتَقِي في الْهَدَفِ الْإِنْسَانِيِّ.»
عصمت شاهين الدوسكي
الشِّعْرُ… هٰذَا الْيَمُّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ نِهَايَةٌ… لَا، لَا يَخْلُو مِنَ الدَّلَالَاتِ وَالرُّمُوزِ وَالصُّوَرِ الَّتِي تَكَادُ تَكُونُ غَرِيبَةً. طَبِيعَةُ أَرْضِ كُرْدِسْتَانَ، جَوُّهَا، سَمَاؤُهَا، شِعَابُهَا، جَمَالُهَا، أَنْهَارُهَا، عُيُونُهَا، جَنَّاتُهَا، مَدَائِنُهَا… جَنَّةُ فِرْدَوْسِ الرُّوحِ. تَتَوَّجُ بِمَوْرُوثِهَا وَتَقَالِيدِهَا الْأَصِيلَةِ الَّتِي لَا تَنْضُبُ. الْأَدِيبُ بِصُورَةٍ عَامَّةٍ، وَالْأَدِيبُ الْكُرْدِيُّ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ، مِمَّا أَخَذَ مِنْهَا، سَيَجِدُ هُنَاكَ الْكَثِيرَ… الْكَثِيرَ الَّذِي لَمْ يَصِلْهُ بَعْدُ… إِنَّ عَطَاءَهَا لِلنَّفْسِ، لِلرُّوحِ، لِلْجَسَدِ، وَلِأَيِّ دَاءٍ، لَا يُوصَفُ. الْمُفْرَدَاتُ وَالرُّمُوزُ الَّتِي يَسْتَغِلُّهَا الشَّاعِرُ مِنْ بِحَارِ هٰذِهِ الطَّبِيعَةِ الْجَمِيلَةِ الْقَاسِيَةِ يُجَسِّدُ خِلَالَهَا صُورَةً مَا، وَفِكْرَةً مُقَيَّدَةً فِي بَاطِنِ الْفِكْرِ، مُكْتَمِلَةً فِي أَعْمَاقِهِ، لَكِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى الِانْطِلَاقِ، إِلَى التَّحَوُّلِ كَيْفَمَا تَشَاءُ. هٰذَا جُزْءٌ مِنْ حَيَاتِهَا الْكَثِيرَةِ الَّتِي تَكْمُنُ فِي مَثْوَاهَا… أَغْلَبُ الْأُدَبَاءِ لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْ هٰذَا الْعَطَاءِ، بَلْ يَتَلَهَّفُونَ إِلَيْهِ بِأَيِّ شَكْلٍ كَانَ، وَبِأَبْسَطِ صُورَةٍ وَأُسْلُوبٍ. مِثْلَمَا لِلْجَبَلِ، وَلِلْبَحْرِ، وَلِلْمَرْأَةِ مَعْنًى، يُفَسِّرُهُ الْقَارِئُ كَمَا يَشَاءُ، يُقَابِلُهُ تَأْوِيلٌ آخَرُ لِلشَّمْسِ، وَلِلنُّجُومِ، وَلِلرِّيحِ… كُلُّ تَأْوِيلٍ يَخْتَلِفُ بِشَكْلٍ مَا عَنِ الْآخَرِ… لَكِنَّهُ يَلْتَقِي فِي النُّقْطَةِ النِّهَائِيَّةِ، الْهَدَفِ الْمَنْشُودِ… الْهَدَفِ الْإِنْسَانِيِّ… لَا نَنْسَ فِكْرَ وَاجْتِهَادَ الْقَارِئِ فِي هٰذَا التَّأْوِيلِ.
مُعْظَمُ الشُّعَرَاءِ وَأَفْكَارُهُمُ الْمُعَاصِرَةُ… وَلَا يُدَاهِمُنَا الِاسْتِغْرَابُ إِذَا قَرَأْنَا قَصِيدَةً ذَاتَ رُمُوزٍ كَثِيفَةٍ. الشَّاعِرُ كَرِيمُ دَهْ شَتِي يَهْرُبُ مِنْ مَوْسِمٍ غَامِضٍ، وَيَكُونُ سَبَبًا لِهُرُوبِهِ… وَلٰكِنْ إِلَى أَيْنَ…؟
يَجِدُ مَلَاذَهُ (الرِّيحَ)، يَلُفُّ نَفْسَهُ بِهَا، كَأَنَّ الرِّيحَ الْمُتَقَلِّبَةَ مَلَاذُهُ… مَلَاذُهُ الْأَوَّلُ وَالْأَخِيرُ… لِمَاذَا الرِّيحُ…؟
هَلْ لِلرِّيحِ حُرِّيَّةٌ أَكْبَرُ…؟ هَلْ لِلرِّيحِ تَعْبِيرٌ إِيجَابِيٌّ أَعْظَمُ…؟
إِنْ كَانَ ذٰلِكَ حَقًّا، يَتَجَلَّى حِرْمَانُ الرُّوحِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ وَالتَّغْيِيرِ… يُدَلِّكُ رُوحَهُ الْمُنْكَسِرَةَ بِفُتَاتِ الثَّلْجِ، كَأَنَّ رُوحَهُ الْمُنْكَسِرَةَ سَتَعُودُ إِلَى حَالَتِهَا وَنَشَاطِهَا الطَّبِيعِيِّ بِهٰذَا التَّدْلِيكِ الْمُضَادِّ بِالنَّارِ الثَّلْجِيَّةِ…
( إِنَّهُ لِمَوْسِمٍ غَامِضٍ
سَوْفَ أَلُفُّ نَفْسِي بِالرِّيحِ
وَأُدَلِّكُ رُوحِيَ الْمُنْكَسِرَةَ
بِفُتَاتِ الثَّلْجِ )
التَّعَبُ الْفِكْرِيُّ وَالنَّفْسِيُّ وَالرُّوحِيُّ… لَيْسَ جَدِيدًا عَلَى الشَّاعِرِ. رُؤْيَاهُ لِلْأَشْيَاءِ أَعْمَقُ، وَإِحْسَاسُهُ بِهَا أَكْبَرُ. فَالْإِرْهَاقُ الْفِكْرِيُّ وَالرُّوحِيُّ يُلَازِمُهُ. رَغْمَ هٰذَا، لَا يَنْقَطِعُ انْقِطَاعًا كُلِّيًّا مِنْ ذٰلِكَ الْكِبْرِيَاءِ الَّذِي يَنْمُو دَوْمًا، يَتَوَقَّعُ فِي نَفْسِهِ بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ… عُبُورُهُ لَا يَخْدِّشُهُ خَدْشٌ، وَلَا يَشْرَخُهُ شَرْخٌ مَا. هٰذَا الِارْتِقَاءُ الرُّوحِيُّ يُقَابِلُهُ الشُّعُورُ بِالتَّعَبِ وَالْإِرْهَاقِ الْفِكْرِيِّ، مُتَّكِئًا عَلَى الِارْتِقَاءِ لِكَيْ لَا يَصِلَ إِلَى السُّقُوطِ، يَخْتَارُ مَوَاطِئَ أَقْدَامِ الطُّيُورِ… الِانْطِلَاقَةُ الصَّحِيحَةُ الثَّابِتَةُ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ… فَهِيَ الْمُسَافِرَةُ دَوْمًا وَالْمُحَلِّقَةُ فِي الْفَضَاءِ، تَرَى مِنَ الْعُلْيَاءِ بَوَاطِنَ الْأُمُورِ وَمَظَاهِرَهَا الْحَقِيقِيَّةَ وَمُنَغِّصَاتِهَا…
( مُتْعَبٌ أَنَا
فَلْيَكُنْ رِيشُ طَاوُوسٍ رُؤْيَتِي
مَعْبَرًا نَاعِمًا تَحْتَ قَدَمَيَّ
فَلْيَكُنْ تُرَابُ مَوْطِئِ
أَقْدَامِ الطُّيُورِ مَثْوَايَ )
نَسْجُ الْأَحْلَامِ فِي خَيَالٍ وَاسِعٍ لَا يَنْتَهِي… هِيَ لَيْسَتْ ذَاتِيَّةً حَادَّةً دُونَ إِشْرَاكِ الْغَيْرِ فِيهَا… بِوَعْيٍ أَوْ دُونَ وَعْيٍ. وَعْيُ الْآخَرِينَ، انْفِعَالَاتُهُمْ، تَأْثِيرُهُمْ فِينَا، إِضَافَاتٌ عَمِيقَةٌ لِخَيَالِنَا وَوَعْيِنَا.
( أَتُونٌ تَحْتَرِقُ فِيهِ دُونَ إِرَادَةٍ مِنَّا )
وَمَا ثَمَرَةُ هٰذِهِ الْأَحْلَامِ… سِوَى حَيْرَةٍ… حَيْرَةٍ مُتَوَاصِلَةٍ لِعَدَمِ الِاتِّصَالِ النَّفْسِيِّ بِالشَّكْلِ الَّذِي يَنْبَغِي، وَالْحِرْمَانِ مِنَ الْوِصَالِ الرُّوحِيِّ وَالْجَسَدِيِّ… السَّرْمَدِيِّ… دَعْوَةُ التَّعَرِّي… لِإِجْلَاءِ الْحَقِيقَةِ كَمَا هِيَ… الْوَاقِع… وَتَحْطِيمِ السُّكُونِ وَالْحَيْرَةِ…
( إِلَى الْخَائِبَةِ الْمُطَحْلَبَةِ وَسْطَ الدُّرُوبِ
إِنَّنِي نَائِمٌ وَأَنْسُجُ أَحْلَامِي فِي صَنَادِيقِ وَعْيِكِ
هٰذِهِ الْبَسَاتِينُ الْمُتَعَرِّبَةُ مِنْ حَوْلِي
أَثْمَرَتْ أَعْنَابَ الْحَيْرَةِ، تَعَالِي وَتَعَرِّي
لِتَضْجَعِي تَحْتَ رِيَاحِ حَسَرَاتِي )
السُّقُوطُ الْقَدَرِيُّ لَا يَعْنِي نِهَايَةً مَا… وَلَا خَوْفَ مِنْ طَلَاسِمَ لَا تَتَجَلَّى إِلَّا حِينَ مُعَانَاةٍ إِلٰهِيَّةٍ… فِيهَا مِنَ الْآلَامِ وَالِاهْتِزَازَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ. الْبُكَاءُ مَلَاذُ الرُّوحِ، وَاللُّجُوءُ إِلَيْهِ يَعْنِ











