
هيبة الأمس وجحود اليوم: الأب بين الإجلال والشارع
بقلم: يسري سلطان
في الحادي والعشرين من يونيو من كل عام، يحتفل العالم بـ “عيد الأب”، وهو مناسبة لا ينبغي أن تمر كحدثٍ عابر، بل هي وقفة صدق مع النفس، ومساحة شاسعة لتأمل الفجوة الكبيرة بين ما كان عليه حال الأب قديماً، وما آل إليه الوضع في زمننا المعاصر.
إذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء، إلى ذلك الزمن الجميل الأصيل، سنجد أن الأب كان يمثل الرمز الأسمى للعائلة؛ كانت له هيبة تهتز لها جدران البيت إجلالاً وتقديراً، لا خوفاً ولا ترهيباً.
الاحترام الفطري: كان الأبناء يقفون إجلالاً وتوقيراً بمجرد أن يمر الأب بجانبهم أو يدخل مجلساً. لم يكن يجرؤ أحد على رفع صوته في حضرته، أو مقاطعته أثناء حديثه.
كان تقبيل يد الأب والانحناء تقديراً لشيبته طقساً يومياً، يتبعه السعي الحثيث لطلب دعائه، إيماناً راسخاً بأن دعوة الأب هي طوق النجاة ومفتاح التوفيق في الدنيا والآخرة.
أما اليوم، وفي زمن تداخلت فيه القيم واختلت فيه الموازين، أصبحنا نشهد عبر وسائل التواصل الاجتماعي والبرامج الإعلامية مشاهد تدمي القلوب وتندى لها الجبان. آباء في خريف العمر، افترشوا الأرصفة والتحفوا السماء، ليس لأنهم بلا مأوى، بل لأنهم طُردوا من بيوتهم بأيدي أبنائهم!
قمة القسوة والألم: أن تقضي عمرك كله تشقى، وتفني شبابك وصحتك في تربية أبنائك وتعليمهم، وتتحمل قسوة الحياة لتوفير لقمة العيش لهم وهم صغار، لتكون مكافأتك وتكريمك في النهاية.. أن تُلقى في الشارع عند الكبر! إنه جحود يفوق الوصف، ونكران للجميل يهتز له عرش الرحمن.
وعلى النقيض من هذه الصورة القاتمة والمؤلمة، لا يمكننا أن نغفل الجانب المضيء؛ فالدنيا ما زالت بخير، وهناك من الأبناء من يضربون أروع الأمثلة في البر والوفاء.
نجد أبناءً يضعون آباءهم تيجاناً فوق رؤوسهم، يكنون لهم كل الاحترام والتقدير، ويتسابقون لخدمتهم ورعايتهم عند الكبر، مدركين أن بر الوالدين هو الاستثمار الحقيقي في الدنيا والآخرة، وأن “كما تدين تدان”.
إن الأب هو العمود الفقري لكل أسرة، وتكريمه لا يتسع له يوم واحد في العام، بل هو منهج حياة. فلنراجع أنفسنا، ولنعد لبيوتنا هيبتها وقيمها الأصيلة.
اللهم ارحم آباءنا وأمهاتنا، واغفر لهم، واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، واجزهم عنا خير الجزاء لِما قدموا وصبروا، ورُدَّنا إليك وإلى برّهم رداً جميلاً.











