المرجعية الصدرية للجماعات الإسلامية الشيعية الحاكمة في العراق

د. علي المؤمن

يشكّل فهم المرجعيات الفكرية والسياسية للجماعات الإسلامية الشيعية الحاكمة في العراق مدخلاً أساسياً لفهم طبيعة الرمزية الایديولوجیة التي تنزع إليها السلطة العراقية بعد عام ٢٠٠٣، ومساراتها، وشبكات التأثير التي تحكم قراراتها وتحالفاتها وصراعاتها. فهذه الجماعات، على اختلاف أسمائها وتباين مواقفها وتنافسها الحاد أحياناً، لا يمكن قراءتها بمعزل عن الجذور الفكرية والتنظيمية التي انطلقت منها، ولا عن الشخصيات المؤسسة التي صاغت رؤاها الأولى وحددت أفقها العقدي والسياسي.

 

وفي مقدمة هذه المرجعيات يبرز اسم المرجع الديني والمفكر والمنظر السيد محمد باقر الصدر (العراق، 1935-1980)، بوصفه الشخصية الأكثر حضوراً في التكوين النظري والحركي لمعظم هذه التيارات، سواء عبر الامتداد المباشر أو عبر التفرعات والتحولات اللاحقة.

 

ويحاول هذا المقال تتبع الخريطة المرجعية للأحزاب والقوى الإسلامية الشيعية النافذة، وكشف خطوط اتصالها التاريخية والفكرية بمدرسة السيد محمد باقر الصدر، مع بيان تداخلها مع مرجعيات أخرى، كالإمام الخميني والسيد محمد الصدر والسيد علي الخامنئي، وصولاً إلى قراءة أعمق لبنية الحكم الشيعي المعاصر في العراق.

 

ولا نقصد بالمرجعية هنا المرجعية الدينية فحسب، بل المرجعية النهضوية والإصلاحية والسياسية؛ فجميع الجماعات الإسلامية الشيعية المهيمنة أو الفاعلة في الساحة السياسية العراقية بعد عام 2003 وحتى اليوم تنتمي في مرجعيتها إلى السيد محمد باقر الصدر، بصرف النظر عن مستوى التزامها بفكره وسلوكه وحقيقة نهضته، وعن مستويات حضور هذه الأيديولوجيا الصدرية في مفاصل الدولة العراقية.

 

والمفارقة هنا، أن یتکرس حضور مرجعية السيد محمد باقر الصدر في الجماعات الإسلامية الشيعية السياسية، وليس في الحوزة العلمية النجفية التي برزت فيها مرجعيته، إلى الحد الذي يمكن معه القول إن مرجعيته العلمية الدينية لم يعد لها وجود ملحوظ في الحوزة العلمية النجفية، التي تهيمن عليها مدرسة الإمام الخوئي. وربما كان للسيد محمد الصدر فضل کبیر فی إعادة هذه المرجعية إلى الحياة العلمية النجفية في تسعينيات القرن الماضي، إلا أنها أفلت بعد استشهاده.

 

وقد كان أبناء مدرسة محمد باقر الصدر يأملون بعد عام 2003 أن يعود بعض فقهاء هذه المدرسة إلى النجف، ولا سيما السيد كاظم الحائري والسيد محمود الهاشمي، إلا أن ذلك لم يحدث لأسباب وظروف معقدة. وربما يشكّل وجود فقهاء كبار من تلامذة السيد محمد باقر الصدر، مثل الشيخ محمد باقر الإيراوني، والسيد علي أكبر الحائري، والشيخ محمد هادي آل راضي، والسيد حسن النوري، والشيخ حسن الجواهري، في مواقع المرجعية الدينية مستقبلاً، عودةً حقيقيةً لروح مدرسة السيد محمد باقر الصدر في الحوزة النجفية، مع الإشارة إلى أن بعض هؤلاء الفقهاء يجمعون بين المدرسة الصدرية النهضوية والمرجعية الخوئية التقليدية، وهو جمعٌ مهمٌّ وضروريٌّ يحفظ للحوزة توازنها وعالميتها وأبوتها؛ لأن الحوزة الشيعية في جميع مراحلها التاريخية ظلت تحافظ على وجودها وكيانها بوجود التيارات الثلاثة في مفاصلها: التيار النهضوي (ويمثله الإمام الخميني والسيد محمد باقر الصدر)، والتيار الإصلاحي (ويمثله السيد محسن الحكيم والسيد علي السيستاني)، والتيار التقليدي (ويمثله السيد حسين البروجردي والسيد أبو القاسم الخوئي).

 

وعلى مستوى الجماعات الإسلامية الشيعية السياسية التي تنتمي إلى تيار السيد محمد باقر الصدر، فإنها بعد استشهاده اتجهت نحو الإمام الخميني فكراً وسلوكاً سياسياً، أو تقليداً فقهياً أحياناً. أما السيد محمد الصدر فيمكن القول إنه استقل بمرجعيته النهضوية وأسس مدرسةً خاصةً به. وقد اتجهت فصائل سياسية تنتمي إلى تيار السيد محمد الصدر (الضلع الثالث في مثلث مرجعية السيد محمد باقر الصدر) بعد عام 2003 إلى السيد علي الخامنئي سياسياً أو تقليداً فقهياً، وهو ما فعلته أيضاً تيارات أخرى بعد وفاة الإمام الخميني. ولذلك يمكن القول إن الجماعات الإسلامية الشيعية السياسية الفاعلة في العراق اليوم تنتمي تاريخياً إلى ثلاث مرجعيات دينية سياسية أساسية: السيد محمد باقر الصدر، والإمام الخميني، والسيد محمد الصدر.

 

أما امتدادات هذه المرجعيات القائمة، فإن السيد كاظم الحائري كان المرجع الديني الوحيد الذي ينتمي إلى مرجعية السيد محمد باقر الصدر مَدرسياً وسياسياً، وقد رجعت إليه بعض الجماعات بالتقليد، مثل عصائب أهل الحق بعد استشهاد السيد محمد الصدر تبعاً لوصيته. أما السيد علي الخامنئي فيمثل امتداد مرجعية الإمام الخميني، وتعود كثير من الجماعات إليه بالتقليد، مثل بعض أجنحة حزب الدعوة، والمجلس الأعلى الإسلامي، ومنظمة بدر، وكتائب حزب الله، وغيرها من الجماعات الجهادية.

ث- أسس الشيخ محمد اليعقوبي، أحد أبرز تلاميذ السيد محمد الصدر، تياراً خاصاً به بعد استشهاد السيد محمد الصدر عام 1999، وأسّس في إطاره جماعة الفضلاء وحزب الفضيلة الإسلامي عام 2003، ويلتزم الحزب بمرجعية الشيخ اليعقوبي في التقليد والشأنين السياسي والاجتماعي.

وتؤكد الجماعات المنفصلة عن السيد مقتدى الصدر، مثل العصائب والنجباء، أو المستقلة عنه أصلاً، مثل تيار الشيخ محمد اليعقوبي، أنها لا تزال جزءاً من التيار الصدري، لكنها ليست جزءاً من تيار السيد مقتدى الصدر، وبذلك وضعت هذه الجماعات فارقاً عملياً بين تيار السيد محمد الصدر بوصفه تياراً جامعاً لها، وبين تيار السيد مقتدى الصدر بوصفه أكبر فصيل في التيار الصدري.

ولتقريب المعنى، فإن التيار الصدري بالمعنى الأعم هو الاسم الجامع للفصائل التي ارتبطت بمرجعية السيد محمد الصدر، مثل التيار الشيعي الوطني بقيادة السيد مقتدى الصدر، والجماعات المنفصلة عنه كالعصائب والنجباء وغيرهما، وحزب الفضيلة الذي أسسه ويرعاه الشيخ محمد اليعقوبي. أما بالمعنى الأخص، فإن مصطلح التيار الصدري يُطلق على التيار الشيعي الوطني الذي يقوده السيد مقتدى الصدر.

ختاماً، فإن هذا العرض يشير بما لا يقبل الشك إلى أن جميع الأحزاب والتيارات والجماعات والشخصيات الإسلامية الشيعية، السياسية والجهادية، التي تسيطر على العملية السياسية في العراق أو تعارضها منذ عام 2003، تعود في جذورها المرجعية والفكرية والتنظيمية إلى مدرسة السيد محمد باقر الصدر، عبر ثلاثة مدارس: مدرسة حزب الدعوة الإسلامية ومدرسة السيد محمد باقر الحكيم ومدرسة السيد محمد الصدر.

وجود هذه الامتدادات السياسية والمرجعية الموصولة تاريخياً بمرجعية السيد محمد باقر الصدر على رأس النظام السياسي في العراق منذ عام 2003 وحتى الآن، يفتح باب التساؤل حول الحضور الفكري والسلوكي لهذه المدرسة المرجعية في بنية الدولة العراقية، وعقيدتها، ومفاصلها، وسياساتها، وكذلك داخل الجماعات التي تنتمي إليها، وهو موضوع مقال قادم.