
أمية ترتدي نظارة مثقف
هناك كثير من الذين يطلقون على أنفسهم صفة المثقف، لكنهم اختزلوا الثقافة في مجموعة من المظاهر والطقوس اليومية التي لا تعكس بالضرورة وجود معرفة حقيقية. صورة لفنجان قهوة بجانب كتاب، مكتبة مرتبة بعناية في خلفية الصورة، اقتباس من كاتب مشهور، ومنشور عن أهمية القراءة. هذه المظاهر أصبحت عند البعض دليلا كافيا على الثقافة، بينما الثقافة في حقيقتها أعمق من ذلك بكثير.المشكلة ليست في القهوة ولا في الكتب ولا في الحديث عن القراءة، بل في تحويل هذه الأشياء إلى بديل عن المعرفة نفسها. فالثقافة ليست مظهرا اجتماعيا ولا وسيلة لبناء صورة شخصية جذابة، بل هي عملية مستمرة من التعلم والفهم والنقد وإنتاج الأفكار.
في السنوات الأخيرة ظهر نوع من المثقفين الذين يهتمون بالحديث عن الكتب أكثر من قراءتها. يناقشون روايات لم يقرأوها، ويتحدثون عن أعمال أدبية اكتفوا بمشاهدة ملخصاتها أو قراءة مراجعات عنها. وعندما تدخل معهم في نقاش تفصيلي حول مضمون الرواية أو شخصياتها أو أفكارها، يتضح أن معرفتهم سطحية ومبنية على ما قاله الآخرون لا على تجربة قراءة حقيقية.الأمر لا يقتصر على الروايات. هناك من يتحدثون عن الفلسفة دون قراءة الفلاسفة، وعن السياسة دون دراسة التاريخ السياسي، وعن علم الاجتماع دون الاطلاع على أهم نظرياته. كثير من النقاشات الثقافية اليوم أصبحت قائمة على تكرار آراء جاهزة أكثر من اعتمادها على فهم حقيقي للموضوعات المطروحة.هذا الواقع يدفعنا إلى المقارنة بين دور المثقف في العقود الماضية ودوره اليوم. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كان المثقف يرتبط غالبا بقضايا المجتمع الكبرى. كان يشارك في النقاشات المتعلقة بالتعليم والتنمية والعدالة الاجتماعية والحريات العامة وبناء الدولة. وكانت كتاباته ومواقفه جزءا من النقاش العام داخل المجتمع.كان المثقف في تلك المرحلة يرى نفسه مسؤولا عن المساهمة في معالجة مشكلات المجتمع. لذلك كانت علاقته بالناس وبالقضايا العامة أقوى من علاقته بالشهرة أو الحضور الإعلامي. وقد اختلفت توجهات المثقفين آنذاك، لكنهم اشتركوا في الإيمان بأن للثقافة وظيفة اجتماعية تتجاوز حدود الترف الفكري.
أما اليوم فقد تغيرت البيئة الثقافية بشكل كبير. وسائل التواصل الاجتماعي أعطت الجميع فرصة للظهور والتعبير، لكنها في الوقت نفسه شجعت على الاهتمام بالصورة أكثر من المضمون. أصبح بعض من يقدمون أنفسهم كمثقفين منشغلين ببناء حضور شخصي وجذب المتابعين أكثر من انشغالهم بإنتاج المعرفة أو المشاركة في معالجة قضايا المجتمع.في الماضي كان المثقف يسأل: ما الذي يمكن أن أقدمه للمجتمع؟ أما اليوم فأصبح بعضهم يسأل: كيف أزيد عدد المتابعين؟ في الماضي كانت قيمة الفكرة هي الأساس، أما اليوم فأصبحت طريقة عرض الفكرة أحيانا أهم من الفكرة نفسها.هذا لا يعني أن كل مثقفي الماضي كانوا أفضل من كل مثقفي الحاضر، فلكل مرحلة مشكلاتها وظروفها. لكن الفرق الواضح هو أن المثقف في الماضي كان أقرب إلى المجتمع وقضاياه، بينما أصبح بعض المثقفين اليوم أقرب إلى صناعة المحتوى الثقافي السريع الذي يحقق الانتشار أكثر مما يحقق الفائدة.كما أن ثقافة التباهي بعدد الكتب المقروءة أصبحت مشكلة بحد ذاتها. فليس المهم كم كتابا قرأ الإنسان، بل ماذا فهم من هذه الكتب وكيف انعكس ذلك على طريقة تفكيره. يمكن لشخص أن يقرأ عشرات الكتب دون أن يكتسب فهما حقيقيا، ويمكن لآخر أن يقرأ عددا قليلا من الكتب لكنه يخرج منها بمعرفة أعمق.
الخروج من هذه الأزمة يحتاج إلى مراجعة مفهوم الثقافة نفسه. المطلوب ليس زيادة الصور مع الكتب، بل زيادة القراءة الجادة. وليس المطلوب تكرار الاقتباسات، بل فهم الأفكار التي تقف خلفها. وليس المطلوب الحديث المستمر عن الثقافة، بل ممارسة الثقافة باعتبارها نشاطا فكريا مرتبطا بالواقع.كما تحتاج المؤسسات التعليمية والإعلامية إلى تشجيع التفكير النقدي بدلا من الحفظ والتلقين. وتحتاج المنتديات الثقافية إلى التركيز على مناقشة القضايا الحقيقية التي تواجه المجتمع بدلا من الاكتفاء بالجدل حول الأسماء والعناوين.الثقافة لا تقاس بحجم المكتبة ولا بعدد المتابعين ولا بعدد الروايات التي يتحدث عنها الشخص. الثقافة تقاس بقدرة الإنسان على الفهم والتحليل والنقد، وبقدرته على تحويل المعرفة إلى موقف ورؤية ومساهمة في المجتمع.
المشكلة اليوم ليست في نقص الكتب ولا في قلة المهتمين بالقراءة، بل في انتشار ثقافة المظهر الثقافي على حساب الثقافة الحقيقية. لذلك فإن الحاجة ليست إلى مزيد من الصور مع الكتب، بل إلى مزيد من القراء القادرين على التفكير والنقد والمشاركة في معالجة قضايا مجتمعاتهم.
بقلم زكريا نمر











