جناية الفراشة والصرصور … عندما تقود ” الوسامة ” مقصلة الأخلاق

بقلم : طارق الأسمر …

​لو قُدّر لك ذات صباح أن تسحق صرصوراً بائساً في زاوية الغرفة، لربما رفعت رأسك فخراً واعتبرت الأمر بطولة وخدمة جليلة للإنسانية.

ولكن، ماذا لو امتدت يدك ذاتها لتسحق فراشة ملونة تحوم حول أزهار الشرفة ..؟، الأرجح أنك ستشعر بوخز الضمير، وربما رماك من حولك بنظرات الاستهجان والملامة.

ف​هذه المفارقة لم تكن لتمر عابرة على فكر الفيلسوف الألماني المشاكس فريدريش نيتشه، الذي اختزل هذا التناقض البشري الصارخ في عبارته الشهيرة ​” إذا قتلت صرصوراً فأنت بطل، وإذا قتلت فراشة فأنت مجرم .. إن للأخلاق معايير جمالية “.

و​في هذه المقولة الشفافة كبلورة، يضعنا نيتشه أمام مرآة الحقيقة العارية، ليكشف كيف أن أحكامنا الأخلاقية وصكوك الغفران التي نوزعها يميناً وشمالاً، لا تنبع في كثير من الأحيان من جوهر الفعل أو نبل الفكرة، بل من غلافها الخارجي. إنها محاكمة بشرية ظالمة، تمليها أهواء العين قبل العقل، وتتحكم فيها الوسامة والجمال بمقادير العدالة ..!

ف​تأملوا معي تفاصيل مشهدنا اليومي، كم من قامة فكرية وعلمية، وكم من منجز إنساني فريد، تاه في زوايا التهميش والنسيان، وتعرض صاحبه للسخرية أو الإهمال لمجرد أنه لا يملك الكاريزما التي يطلبها العصر، أو لأنه لا ينسجم مع الصورة النمطية البراقة التي يشتهيها الجمهور ؟ وفي المقابل، كم من فراغٍ مُزوق نال التصفيق الحار، واعتلى منصات الإعجاب لمجرد أن صاحبه يملك حضوراً جذاباً، أو مكانة اجتماعية مرموقة، أو حتى هنداماً أنيقاً وافق أهواء السابلة ؟
و​المرعب في الأمر أن مصادر القيمة الحقيقية في المجتمعات الحية كالعلم الرصين، والكفاءة العالية، والأخلاق الرفيعة، والعمل الجاد الدؤوب، باتت اليوم تتراجع بخجل أمام زحف طوفان القيم الزائفة، المال الذي يشتري الصمت والتبجيل، و​النفوذ الذي يغسل الخطايا ويبرر السقطات، و​الوسامة والشهرة التي تمنح الكلمات الجوفاء وزناً وثقلاً لا تستحقه.

​لقد وصلنا إلى عتبة زمنية حرجة، باتت فيها المحفظة دليلاً على الحكمة، والسلطة مرادفاً مطلقاً للصواب، والمظهر الخارجي صكاً لإثبات القيمة الإنسانية. في هذا المشهد المشوه، يتوقف المجتمع تدريجياً عن تقييم الإنسان بما يقدمه من نفع حقيقي للبشرية، ليبدأ في تقييمه بما يملكه في رصيده، أو بما يستعرضه على شاشات الهواتف.

ف​إن أخطر ما يمكن أن يصاب به أي مجتمع ليس الفقر المادي أو شح الموارد، فالأزمات الاقتصادية تذهب وتجيء، فالأخطر حقاً هو الأنيميا الأخلاقية واختلال معايير التقييم.

ف​عندما تُنحى الكفاءة جانباً وتُهمش العقول، ويُرفع أصحاب المال والنفوذ والمظاهر الجوفاء إلى سدّة الصدارة ومراتب القداسة، فإننا لا ننتج مجتمعاً مشوهاً فحسب، بل نكتب وثيقة وفاة العدالة الاجتماعية، حيث يصبح النجاح الحقيقي القائم على العرق والجهد مجرد استثناء نادر، ويتحول الزيف الملون كالفراشة إلى قاعدة ذهبية يقاس عليها كل شيء …