كيف يمكن لله، وهو منبع الكمال والعدل المطلق، أن يخلق الشر والظلم والفساد في الأرض، ثم يعاقب البشر على اقترافها؟ من هذا السؤال، انطلقت واحدة من أهم المدارس العقلية في تاريخ الفكر الإسلامي: المعتزلة. ولم يكن هناك من صاغ هذا النسق الفكري ونظمه في بناء منطقي متكامل مثل القاضي عبد الجبار، الذي جعل من ربط “حرية الإرادة البشرية” بمفهوم “العدل الإلهي” حجر الزاوية في نظريته حول “خلق الأفعال”.

 

تأسست أطروحة القاضي عبد الجبار على نقد جذري للفكر الجبري الذي كان سائداً في بعض الأوساط السياسية والدينية، والذي كان يرى أن كل حركات الإنسان وسكناته، حتى الموبقات، هي بقضاء الله وخلقه المباشر. اعتبر القاضي عبد الجبار أن هذا الطرح يمثل نسفاً لمفهوم “العدل” الإلهي؛ فمن المحال عقلاً، ومن القبيح منطقياً، أن يُجبر كائن مطلق العدل إنساناً على فعل المعصية، ثم ينصب له ميزاناً ليحاسبه ويعاقبه بالنار على ما لم يختره.

 

لحل هذه الإشكالية، بلور القاضي عبد الجبار نظرية تنص بوضوح صارم على أن “الإنسان هو الخالق لأفعال نفسه”. يرى عبد الجبار أن الله منح الإنسان عسكرة كاملة من الحواس، العقل، الأسباب، والأهم من ذلك: “الاستطاعة” والقدرة الحرة المستقلة قبل وقوع الفعل. بناءً على هذه المكنة، يصبح الإنسان هو المُحدث الحقيقي والمستقل لأفعاله، خيراً كانت أو شراً. هذا الاستقلال البشري التام في خلق الأفعال هو المبرر العقلاني الوحيد الذي يجعل “التكليف” (الأوامر والنواهي) مشروعاً، ويجعل الثواب والعقاب نتيجة منطقية وعادلة للاختيار الإنساني.

 

لا يتوقف القاضي عبد الجبار عند إثبات حرية الإنسان، بل يمد خط النظرة لتنزيه الذات الإلهية عن “القبيح”. في منظومته، الله يتعالى عن خلق الظلم والكذب والعبث؛ لأن فعل القبيح ينتج إما عن جهل بقبحه، أو عن حاجة إليه، والله منزه عن الجهل والنقص. بالتالي، كل الشرور والظلامات التي تقع في العالم البشري هي من خلق الإنسان وإنتاجه المباشر بسوء استخدامه لإرادته الحرة، ولا يصح نسبة أي منها إلى المشيئة الإلهية.

 

بقي صرح القاضي عبد الجبار الفكري شاهداً على نزعة إنسانية عقلانية مبكرة، حاولت أن تضع “العدل الأخلاقي” كمعيار أعلى تُقاس عليه المفاهيم الميتافيزيقية، جاعلة من الإنسان كائناً فاعلاً ومسؤولاً بالدرجة الأولى عن تاريخه وأفعاله.

 

الصفحة الرسمية للكاتب سالم يفوت