مجنون يحكي وعاقل يفهم

كانَ الاحمرارُ يعلو وجنتيهِ، والحماسةُ تُرقِصُ شاربيهِ، ورائحةُ الشّهامةِ تفوحُ من إشاراتِ يديهِ، وبطولةُ الوطنيّةِ ترسمُ تمثالَ الحرّيّةِ في عينيهِ… وطالَ الحديثُ…

فحينًا يتكلّمُ بفكَّيهِ، وحينًا آخرَ بإيقاعِ ارتجافِ قدميهِ.

ولا تسلْ عن أدبِ الحوارِ، فقد كانتْ عفّةُ الإصغاءِ عذريّةَ أذنيهِ.. ومَن يُصغي إليهِ يَحسَبُ أنَّ مجدَ العروبةِ وَقْفًا عليهِ.

لا شكَّ أنّهُ من الأبطالِ “القلالِ” القلائلِ، الّذينَ يحشدونَ الجيوشَ، ويهوَوْنَ الجلوسَ على العروشِ، ويحاضرونَ في شغفِ النّضالِ.

وما أدراكَ ما الحربُ! إنّها شرفُ القبيلةِ، وحيلةُ من ليسَ لهم حيلة..

لا بلْ هيَ سِمةُ الرّجالِ، حُماةِ الحِجالِ والخلخالِ.

الجميعُ صامتونَ، إنّهمُ المنفّذونَ لأوامرِ القائدِ الميمونِ، وعليهم تقعُ مراسيمُ العبادةِ.

في ذٰلكَ الجوِّ المشحونِ بالعزمِ والفضائلِ، خَطَرَ لأحدِهم ممّن لا يُفكّرون، ويُلقّبونَهُ بالمجنون، أنْ يسألَ الزّعيمَ عمّا إذا كانَ ابنُهُ مَنْ سيقودُ حملةَ النّصرِ الموعود، وجبهةَ الصّدِ والصّمودِ، فتبدّلتْ في وجهِهِ حُمرةُ الألوانِ بصُفرةِ البيلسانِ، وتلعثمَ في الحلقِ اللّسانُ.

وأخذَ الزّعيمُ يُقَلِّبُ أطرافَ عباءتِهِ كأنَّهُ يُفتِّشُ فيها عن جوابٍ بين الطّيّات، ضاعَ بينَ الخُطبِ والشِّعاراتِ، ثمَّ اعتدلَ في جلستِهِ، ومسحَ بمنديلِهِ عَرَقَ جبهتِهِ، وقالَ بصوتٍ ارتدى ثوبَ الحكمةِ على عَجلٍ: أيُّها المجنونُ، ألَا تعلمُ أنَّ السّياسةَ لها في إدارتِها حكمةٌ وشؤون؟

وأنَّه لكلِّ امرئٍ موقعُهُ في المعركةِ، وللبصيرةِ رؤيةٌ لا تراها العيون؟

إنَّ ابني خُلِقَ لِمَهامٍّ أعظمَ من حملِ البندقيّةِ بكثيرٍ، يكفيهِ حملَ مسؤوليّة رجاحة التّفكير والضّمير..

فهزَّ الحاضرونَ رؤوسَهم بإيقاعِ الطّبولِ، وصفَّقَ بعضُهم بحرارةٍ، كأنَّ الفكرةَ نزلتْ عليهم من جنّةِ الوحيِ والإلهامِ، ومن نبيٍّ سامي المقامِ، بينما بقيَ المجنونُ وحدَهُ يُحدِّقُ في عينيهِ باحثًا عن وطنٍ لم يجدْهُ.

ثمَّ تابعَ الزّعيمُ حديثَهُ عنِ التّضحيةِ، وكيفَ يجبُ أنْ يُقدِّمَ الفُقراءُ أبناءَهم قرابينَ على مذبحِ الوفاءِ.

فالوطنُ ـ كما قالَ ـ لا يُبنى إلّا بالجماجمِ، أمّا أبناءُ السّادةِ فخُلِقوا لحراسةِ الأحلامِ، لا لدفنِها تحتَ الرُّكام.

وكانَ كلَّما ارتفعَ عددُ القَتلى في خطابِهِ، ارتفعَ معهُ عددُ المسبِّحينَ بحمدِ بصيرتِهِ، وطيبِ سريرتِهِ، حتّى خُيِّلَ للحاضرينَ أنَّ الحربَ قصيدةٌ، وأنَّ الدّمَ حِبرُها الأحمرُ.

أمّا المجنونُ، فقدِ ابتسمَ ابتسامةً صغيرةً مُتَنكّرةً بثيابِ السّخريةِ، وقالَ: غريبٌ أمرُ هٰذهِ الأوطانِ!

حينَ تُقرَعُ طبولُ الحربِ، يموتُ أبناءُ الفقراءِ كي يعيشَ أبناءُ الزّعماءِ لِيُلقُوا خُطبَ النّصرِ كالشّعراءِ.

حقًّا إنَّ أتعسَ الحروبِ، ليستْ تلكَ الّتي تُزهقُ الأرواحَ، بل تلكَ الّتي تجعلُ الأُمّهاتِ يَدفُنَّ أَبناءَهُنَّ، بينما الزّعماءُ يدفُنَّ الحقيقة!

وما أفظعَ الحروبَ حينَ يصبحُ الشّعبُ حَطبَها،

والزّعيمُ شاعرَ مآتمِها!.

عايدة قزحيّا

من “مجموعتي القصصيّة”