
مع مرور المواسم، تتبدّل الألوان -سيدة عشتار بن علي –
بقلم الكاتبة سيدة عشتار علي ثمّة مواقف في الحياة يجد الإنسان نفسه فيها عاريا من كلّ ما كان يستر هشاشته… لحظات يتصدّع فيها من الداخل، ويخذله ذلك التّماسك الذي طالما احتمى به أمام الآخرين. …مواقف يراه النّاس فيها على غير الصورة التي ألفوها عنه من شخص واثق او مرح ، الى كائن مثقل بوجعه ، ينزف بصوت عال ويبحث عمّن يسنده وينقذه من انهياره. في تلك المواقف المصيريّة القاسية، حين يعجز المرء عن إخفاء انكساره أو التّستر على حاجته إلى يد تمتدّ إليه من قِبَل من أحبّهم ووثق بهم، يبدأ في اكتشاف الوجوه على حقيقتها….قد يتفاجئ حين يجد من بين من كان يعتبرهم غرباء أو حتّى أعداء من يشعر بوجعه بمحبّة صادقة لا يشوبها منّ ولا ادّعاء. وقد يجد بين أصدقائه من يتظاهر بالتّعاطف لبعض الوقت، ثم لا يلبث أن يتراجع حين يدرك أن الضّعف ليس مشهدا عابرا، بل امتحان طويل يحتاج إلى صبر ووفاء . فالناس، غالبا ، لا يوقّرون الإنسان لجوهره بقدر ما يوقّرون صورته وهو في موقع قوة ، ومستغن عن غيره. يحبّونك ما دمت واقفا على قدميك، تتكلم بثقة، وتخفي أوجاعك. لكن بمجرّد رؤية انكسارك تتبدل نظرات بعضهم وتتغيّر نبرات أصواتهم ، فيخفّ التقدير ، وتفلت من الألسن ومن التّصرّفات إشارات لم يكونوا يجرؤون عليها من قبل. لكن الحقيقة الأعمق أن مواقف الانكسار لا تكشف ضعف صاحبها بقدر ما تكشف معدن هؤلاء . ففي الشدائد تتعرّى بعض النّفوس ويظهر زيفها متناسية أن ّالضّعف ليس عيبا ، بل قدر إنساني لا ينجو منه أحد… فلا تتفاجئ في مواقف انكسارك وضعفك إذا رأيت بعض الوجوه تتغيّر ملامحها من الاحترام الى الاستخفاف وبعض الاصوات تتبدّل نبراتها من التقدير الى اللّامبالاة في اعتقاد منهم انهم عرفوا حقيقتك وهي انك شخص ضعيف . لكن ثق انهم في الحقيقة، لم يكشفوا حقيقتك أنت، بل ضيق أفقهم وضآلة أروحهم . …الإنسان النّبيل لا يقيس الآخرين بلحظات سقوطهم وضعفهم ، لأنه يعلم أن لكلّ قلب قدر لا مفرّ منه من الوجع و الوهن أما النفوس الصّغيرة فتتوهّم أن القوّة امتياز دائم …. مواقف الضّعف لا تسقط الإنسان، وإنما تسقط الأقنعة عن وجوه المحيطين به . وما أكثر الأقنعة التي ستراها ملقاة تحت قدميك وهذا مؤلم لا جدال في ذلك لكن في هذا الألم نفسه تكمن نعمة خفية وهي مواجهة الحقائق ودفائن النفوس … نصدّق الوجوه حين تبتسم، ونطمئنّ إلى الكلمات حين تتدثر بعبارات الودّ والمحبّة ، ونحسب أن من يقترب منا في أيّام القوة سيبقى بالقدر نفسه حين تنكسّر أجنحتنا. لكن الحياة، بحكمتها القاسية تمنحنا رغم وجع الحقيقة فرصة نادرة لنرى الناس كما هم، لا كما اعتقدنا أو تمنّينا فهم كأوراق الشجر… منها ما يحمل ثمرا، ومنها ما يسقط عند أوّل ريح ومع مرور المواسم، تتبدّل الوانهم : منهم من يبهت حضورهم ويصفرّ حتى يتلاشى، … يغيبون تماما، كأنّهم لم يكونوا يوما جزءا من حكاياتنا ..ومنهم من يزدادون صفاء ولمعانا…سقوط الأقنعة ليس خسارة، بل كشف…..ليس نهاية، بل تطهير لا بدّ منه……
…











