الشَّائِعَاتُ
عِنْدَمَا تَكُونُ الجَبْهَةُ الدَّاخِلِيَّةُ قَوِيَّةً، تَكُونُ الجَبْهَةُ الحُدُودِيَّةُ أَقْوَى.
النُّفُوسُ الضَّعِيفَةُ تَسْتَغِلُّ الشَّائِعَاتِ لِإِشْعَالِ الفِتَنِ بَيْنَ النَّاسِ.
عِصْمَتُ شَاهِينِ الدُّوسُكِي
كَثُرَتْ فِي الآوِنَةِ الأَخِيرَةِ آفَةُ الشَّائِعَاتِ، خَاصَّةً بَعْدَ بَدَايَةِ حَرْبِ أَمْرِيكَا وَإِيرَانَ، وَفِي كُلِّ الحُرُوبِ تَبْدَأُ الشَّائِعَاتُ بِالظُّهُورِ بِشَكْلٍ وَآخَرَ. وَلِكَيْ نَكُونَ عَلَى دِرَايَةٍ بِفِكْرَةِ الشَّائِعَاتِ، يُمْكِنُ تَعْرِيفُهَا بِشَكْلٍ بَسِيطٍ: الشَّائِعَاتُ هِيَ وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِلِ الحَرْبِ، تُسْتَخْدَمُ فِيهَا الأَوْهَامُ وَالأَكَاذِيبُ لِإِضْعَافِ أَوْ حَتَّى القَضَاءِ عَلَى الطَّرَفِ المُسْتَهْدَفِ بِدُونِ اسْتِخْدَامِ السِّلَاحِ، فَهِيَ تَكُونُ مُنَظَّمَةً، يُهَيَّأُ لَهَا الأَدَوَاتُ وَالأَشْخَاصُ، عَلَى مَبْدَأ الكَذِبِ حَتَّى التَّصْدِيقِ. وهِيَ مَعْلُومَاتٌ لَيْسَتْ مُؤَكَّدَةً، وَبَعِيدَةٌ عَنِ الوَاقِعِ، تُرَوَّجُ هُنَا وَهُنَاكَ بِهَدَفٍ وَآخَرَ، أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ. وَالمُصِيبَةُ الأَعْظَمُ أَنَّهَا ازْدَادَتْ خُطُورَتُهَا فِي عَصْرِ التَّطَوُّرِ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ؛ لِسُرْعَةِ انْتِشَارِهَا كَكُرَةِ الثَّلْجِ، تَتَدَحْرَجُ صَغِيرَةً مِنْ فَوْقِ الجَبَلِ، لَكِنَّهَا تَكْبُرُ بِسُرْعَةٍ فِي نُزُولِهَا. النُّفُوسُ الضَّعِيفَةُ، الَّتِي تَحْمِلُ الحِقْدَ وَالكُرْهَ وَالفَسَادَ الأَخْلَاقِيَّ، لَا تَكْتَفِي بِتَرْوِيجِ الشَّائِعَاتِ فَقَطْ، بَلْ تُسْهِمُ فِي القَتْلِ وَالنَّهْبِ وَإِشْعَالِ الفِتَنِ مِنْ خِلَالِ الإِنْتِرْنِتِ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ. وَمِنْ خِلَالِ الفَمِ (اللِّسَانِ) يَسْتَرْسِلُ البَعْضُ فِي بَثِّ الشَّائِعَاتِ بَيْنَ النَّاسِ بِسُهُولَةٍ، بِدِرَايَةٍ أَوْ دُونَ دِرَايَةٍ؛ لِتَظْهَرَ الفِتْنَةُ بَيْنَ الشَّعْبِ، «وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ»، وَتَظْهَرُ الفَوْضَى وَالعَبَثِيَّةُ. نَاهِيكَ عَنْ كَثْرَةِ الفَصَائِلِ وَالأَحْزَابِ، وَكُلٌّ مِنْهَا دَوْلَةٌ دَاخِلَ دَوْلَةٍ، وَلِكُلٍّ مِنْهَا تَوَجُّهَاتُهَا المُنْفَصِلَةُ عَنِ الأُخْرَى؛ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى كَثْرَةِ القَرَارَاتِ المُخْتَلِفَةِ، وَتَرَاكُمَاتِ الضَّغِينَةِ وَالأَنَانِيَّةِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ، وَيُهَدِّدُ أَمْنَ المُجْتَمَعَاتِ، وَيُؤَثِّرُ سَلْبًا عَلَى الرُّوحِ المَعْنَوِيَّةِ، وَيُسَبِّبُ فِتَنًا اجْتِمَاعِيَّةً وَاقْتِصَادِيَّةً. وَفِي الحَرْبِ وَعَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ، يَكْثُرُ الدَّجَّالُونَ وَالسَّحَرَةُ وَالمُطَبِّلُونَ لِلشَّائِعَاتِ وَالفِتَنِ. وَلِأَهَمِّيَّةِ المَوْضُوعِ، أَذْكُرُ بَعْضَ خُطُورَاتِ الشَّائِعَاتِ، مِنْهَا: تَفْكِيكُ النَّسِيجِ الِاجْتِمَاعِيِّ مِنْ خِلَالِ إِثَارَةِ الفِتَنِ، وَنَشْرُ الذُّعْرِ، وَزَعْزَعَةُ الثِّقَةِ بَيْنَ النَّاسِ. كَذَلِكَ الأَضْرَارُ الِاقْتِصَادِيَّةُ مِنْ خِلَالِ نَشْرِ شَائِعَاتِ الغَلَاءِ وَانْهِيارِ العُمْلَةِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى ارْتِبَاكِ السُّوقِ. وَأَيْضًا الحَرْبُ النَّفْسِيَّةُ مِنْ خِلَالِ اسْتِهْدَافِ مَعْنَوِيَّاتِ النَّاسِ، وَخَلْقِ وَضْعٍ خَطِرٍ لِلْمُتَطَوِّعِينَ وَالمَسْؤُولِينَ. وَمِنْهَا تَغْيِيرُ المُعْتَقَدَاتِ مِنْ خِلَالِ تَزْيِيفِ الحَقَائِقِ، وَاسْتِغْلَالِ مَخَاوِفِ النَّاسِ. وَلِمَعْرِفَةِ عَوَامِلِ وَأَسْبَابِ انْتِشَارِ الفِتَنِ وَالشَّائِعَاتِ، لَابُدَّ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا وَالِاهْتِمَامِ بِهَا، وَمِنْهَا: حَقِيقَةُ المَعْلُومَاتِ؛ فَحِينَ تَغِيبُ الحَقَائِقُ الرَّسْمِيَّةُ، وَيَطْوِيهَا الغُمُوضُ، تَلِحُّ الحَاجَةُ إِلَى تَفْسِيرَاتٍ أُخْرَى بَدَلًا عَنِ الحَقَائِقِ الرَّسْمِيَّةِ. وَأَغْلَبُ النَّاسِ فِي الحَرْبِ، وَلِأَهَمِّيَّةِ الأَخْبَارِ، يَهْتَمُّونَ بِهَا، وَأَغْلَبُهَا تَكُونُ مُغَلَّفَةً بِالشَّائِعَاتِ. وَمِنْهَا تَأْثِيرُ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالتِّكْنُولُوجِيَا العَصْرِيَّةِ وَانْتِشَارُهَا، الَّتِي تُوَفِّرُ أَرْضًا خَصْبَةً لِانْتِشَارِ الشَّائِعَاتِ الكَاذِبَةِ، خَاصَّةً فِي ظِلِّ غِيَابِ الرَّقَابَةِ وَالمُحَاسَبَةِ. وَمِنْهَا اسْتِخْدَامُ الفَاسِدِينَ وَالحَاقِدِينَ وَالمُغْرِضِينَ هَذِهِ الشَّائِعَاتِ كَوَسِيلَةٍ لِتَحْقِيقِ مَكَاسِبَ سِيَاسِيَّةٍ أَوْ أَغْرَاضٍ شَخْصِيَّةٍ أَنَانِيَّةٍ عُدْوَانِيَّةٍ. إِذَا سُئِلَ سَائِلٌ: كَيْفَ نُوَاجِهُ الشَّائِعَاتِ وَالفِتَنَ؟ هُنَا يَتَجَلَّى الوَعْيُ وَالتَّثْقِيفُ، وَنَشْرُ خُطُورَةِ الشَّائِعَاتِ، وَبِنَاءُ ثَقَافَةِ التَّحَقُّقِ مِنَ المَعْلُومَاتِ قَبْلَ تَدَاوُلِهَا دَائِمًا. وَعَلَى الجِهَاتِ الرَّسْمِيَّةِ سُرْعَةُ تَقْدِيمِ الحَقِيقَةِ لِغَلْقِ الفَرَاغَاتِ الَّتِي يَسْتَغِلُّهَا مُرَوِّجُو الشَّائِعَاتِ. عِنْدَمَا تَكُونُ الجَبْهَةُ الدَّاخِلِيَّةُ لِلْبِلَادِ قَوِيَّةً، تَكُونُ الجَبْهَةُ الحُدُودِيَّةُ أَقْوَى. وَهَذَا مَا ظَهَرَ فِي الحُرُوبِ السَّابِقَةِ، حَيْثُ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مُتَوَفِّرًا لِلشَّعْبِ، رَغْمَ شِدَّةِ الحَرْبِ: «النِّفْطُ، الغَازُ، الكَهْرَبَاءُ، المَاءُ، الحِصَّةُ التَّمْوِينِيَّةُ، الرَّوَاتِبُ، وَغَيْرُهَا مِنَ الخِدْمَاتِ». أَمَّا فِي الحَرْبِ بَيْنَ أَمْرِيكَا وَإِيرَانَ، نَرَى أَنَّهُ، مِنْ وَرَاءِ الشَّائِعَاتِ وَالفَسَادِ، اخْتَفَى كُلُّ شَيْءٍ كَانَ مُتَوَفِّرًا سَابِقًا، وَارْتَفَعَتْ أَسْعَارُهُ. فَمَاذَا يَفْعَلُ الشَّعْبُ، رَغْمَ أَنَّ الحَرْبَ خَارِجِيَّةٌ؟ مَاذَا يَفْعَلُ الفَقِيرُ؟ مَاذَا يَفْعَلُ مَنْ يَعِيشُ عَلَى قُوتِ يَوْمِهِ عِنْدَمَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَوْفِيرِ قِنِّينَةِ غَازٍ، أَصْبَحَ ثَمَنُهَا أَكْثَرَ مِنْ (25) أَلْفًا مَثَلًا:
ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ، يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ». كَفَى فَسَادًا وَاسْتِغْلَالًا وَجَشَعًا! كُلُّكُمْ مَسْؤُولُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. أَيْنَ دَوْرُ الحُكُومَةِ وَالمَسْؤُولِينَ عَنِ البِلَادِ وَالعِبَادِ؟ فَمِنَ الأَهَمِّيَّةِ عَلَى الجِهَاتِ تَفْعِيلُ القَوَانِينِ وَالعُقُوبَاتِ ضِدَّ مُطْلِقِي وَمُرَوِّجِي الشَّائِعَاتِ، وَمَنْ يُخِلُّ بِالأَمْنِ، وَيَسْتَغِلُّ الظُّرُوفَ لِنَشْرِ الغَلَاءِ وَالبَلَاءِ وَالفَوْضَى. كَمَا يَجِبُ عَدَمُ الِانْسِيَاقِ خَلْفَ كُلِّ نَاعِقٍ، وَالتَّحَقُّقُ مِنَ المَصْدَرِ. وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ». أَيُّهَا المَسْؤُولُونَ، فِي زَمَنِ الحَرْبِ خَاصَةً، اهْتَمُّوا بِالشَّعْبِ وَحُدُودِ البِلَادِ.




































