تَرَاتِيلُ الضَّوءِ الَّذِي لا يُؤَرَّخُ …

تَرَاتِيلُ الضَّوءِ الَّذِي لا يُؤَرَّخُ

فِي الفَجْرِ

حِينَ يَنْحَنِي اللَّيْلُ

كشَيْخٍ أَنْهَكَتْهُ العَدُّ

وَلَا يَجِدُ مَا يُحْصِيهِ،

تَخْرُجُ القُرَى مِنْ نَوْمِهَا

مَكْسُوَّةً بِنُدُوبِ الصَّمْتِ،

تَتَحَسَّسُ جُدْرَانَهَا

كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ ظِلِّهَا الضَّائِعِ.

كَانَ الأَنِينُ

أَمْسِ

يَتَدَلَّى مِنْ شُرُفِ البُيُوتِ

كَثَوْبٍ مُبْتَلٍّ بِالغِيَابِ،

وَكَانَتِ الرِّيحُ

تَجْمَعُ أَسْمَاءً

سَقَطَتْ مِنْ دَفَاتِرِ الأَعْمَارِ

قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ

كَيْفَ تُوَقِّعُ حُضُورَهَا.

الأُمُّ—

وَقَدْ صَارَ صَدْرُهَا

وَطَنًا صَغِيرًا لِلْفَقْدِ—

تَزْرَعُ فِي الفَرَاغِ

صُورَةَ ذِرَاعٍ

كَانَتْ تُطَوِّقُ المَسَاءَ.

وَالطِّفْلُ

يَنْصِتُ لِلْبَابِ،

يَظُنُّ أَنَّ الضَّوْءَ

يَعْرِفُ الطَّرِيقَ،

وَأَنَّ الخُطُوَاتِ

يُمْكِنُ أَنْ تَعُودَ

إِنِ اشْتَاقَتْ.

لَكِنَّ الضَّوْءَ

يَتَرَدَّدُ أَحْيَانًا،

يَمْشِي عَلَى أَطْرَافِ الغَيْمِ،

كَأَنَّهُ يَخْشَى

أَنْ يَرَى الأَرْضَ

وَقَدِ امْتَلَأَتْ

بِمَا لَا يُقَالُ.

القَرْيَةُ لَيْسَتْ بُيُوتًا،

بَلْ قَلْبٌ كَبِيرٌ

يُجَرِّبُ أَنْ يَتَنَفَّسَ

رَغْمَ ثِقْلِ الهَوَاءِ.

المَآذِنُ

تَرْفَعُ نِدَاءَهَا

فِيهِ ارْتِجَافَةُ سُؤَالٍ،

وَالْأَجْرَاسُ

تَدُورُ فِي الفَرَاغِ

بَاحِثَةً عَنْ صَدًى

لَا يَنْكَسِرُ.

أَيُّهَا المَوْتُ،

لَسْتَ وَجْهًا وَاحِدًا،

أَنْتَ رِيحٌ حِينًا،

وَمَاءٌ حِينًا،

وَحُمَّى

تَكْتُبُ اسْمَهَا

عَلَى جَبِينِ المَسَاءِ

ثُمَّ تَخْتَفِي.

غَيْرَ أَنَّ تَحْتَ التُّرَابِ

شَيْئًا لَا يَمُوتُ—

نَبْضٌ صَغِيرٌ

يَتَعَلَّمُ مِنَ العَتَامَةِ

كَيْفَ يَهَجَّى الضَّوْءَ.

بُذْرَةٌ

لَا تُصَدِّقُ

أَنَّ اللَّيْلَ

قَدَرٌ نِهَائِيٌّ،

فَتَشُقُّ صَدْرَ الطِّينِ

وَتَصْعَدُ.

يَا أَرْضًا

حَفِظَتْ فِي صَدْرِهَا

أَكْثَرَ مِمَّا يُحْتَمَلُ،

سَيَأْتِي صَبَاحٌ

لَا يَتَعَثَّرُ بِالخَوْفِ،

وَتَنْهَضُ السَّنَابِلُ

مِنْ بَيْنِ الذِّكْرَيَاتِ،

وَتَتَعَلَّمُ الشَّمْسُ

أَنْ تَشْرُقَ

بِلَا ارْتِجَافٍ.

فَاللَّيْلُ—

مَهْمَا تَعَمَّقَ—

لَيْسَ سُوَى صَفْحَةٍ

فِي كِتَابِ الضَّوْءِ،

وَكُلُّ صَفْحَةٍ

لَا بُدَّ

أَنْ تُقْلَبَ.

 

بقلم الشاعر

مؤيد نجم حنون طاهر

العراق