خالد رداوي « الموعدان المتقاطعان »

خالد رداوي

 

                   الموعدان المتقاطعان

 

اليوم أيضا

سأنتظرها في آخر محطة

حافظتُ على هذه العادة

أكثر مما حافظت على أبنائي

كنت أؤجل مواعيدي لأستقبل انتظارا ما

صفيرا يملأ راسي 

 أجمل ما عندي من لباس يداري قلقي

أتهيأ لها كما يتهيأ السّحرة للطلاسم  

               الأقمارُ للماء الراكد

              الوردةُ للعطر الناعم 

في الجهة المقابلة داخل المحطة

امرأة تنتظر أحد ما 

غامضا ومؤجلا 

 تلك المرأة

تغيب عندما اغيب

وكلما حركت لساني

تستعجلت حضورها

كانت في الضفة الأخرى من الحياة 

نتظر لي كأنها تريد أن تقول شيئا ما

وانظر إليها كأنني قلت لها كلّ شي 

في اليوم المولي 

والذي يليه

والذي نفسي بيديها

حافظتُ على الموعديْن

معا 

البعيد لي 

والقريب لي 

الموعدان المتقاطعان +

 كان لإمرأة واحدة …

 قراءة بقلم / الكاتب الكبير فتحي محفوظ 

     “” موعدان متقاطعان “” 

في قصيدة رشيقة بعنوان موعدان متقاطعان للشاعر التونسي الكبير خالد رداوى نتابع معا رحلة – ربما تكون يومية بحكم العادة – واليوم هو الموافق لتاريخ اللحظة الحاضرة . هو بالأحرى موعدا للقاء كان قد تقرر من قبل :

” اليوم أيضا

سأنتظرها في آخر محطة ” 

فالزمن كان قد سبقته نية مبيته لتحديده بتاريخ الآن ، والمكان فرض موقعه وايقاعه عند آخر محطة ، وليس عليه هو الرجل الذي نجهل هويته سوي انتظار اللقاء في الزمان والمكان المحدد بصيغته المبتكرة ، وبرسوخه كحدث منظم متكرر ..

“حافظتُ على هذه العادة

أكثر مما حافظت على أبنائي

كنت أؤجل مواعيدي لأستقبل انتظارا ما ” 

والحدث اذن يتكرر بحكم العادة . انه سلوك يفرض ايقاعه عبر الزمان والمكان ، وهو سلوك تحكمه قواعد العادة ، ولا يحكمه موضوع او هوية , انه حدث يحافظ علي حضوره في موعده ومكانه الأبدي : يقول انه يحافظ علي اتباع ايقاعاته المتكررة اكثر مما يحافظ علي مواعيده الأخرى . يؤجل كل المواعيد فيما عداه ، ومن ثم فهو يحدد قبسا من هوية ذلك الحدث الذي يقوم بتصنيفه داخل اطار المواعيد . هو ميعاد اذن له قواعده وقوانينه الخاصة ، وهذا الميعاد غلي وجه الخصوص يسبقه انتظار . هكذا يردد النشيد . يترك او يؤجل كافة مواعيده في مقابل انتظار هذا الميعاد ..

” صفيرا يملأ راسي 

أجمل ما عندي من لباس يداري قلقي

أتهيأ له كما يتهيأ السّحرة للطلاسم 

الأقمار للماء الراكد

الوردة للعطر الناعم ” 

عندما يملأ الصفير راسه نصبح علي الفور امام موضوع يتعلق بوجود معاناة . بصف معاناته بالقلق . لديه ميعاد محكوم بروابط انتظار حدوثه المتكرر. يشعر حياله بالقلق : يداري قلقه ويخفيه خلف افضل ما يملكه من ثياب ، وثياب الاخفاء تمنحه الهيئة والثقة في اكمال لقاءه المتكرر . في مقابلة هذا الحادث الفذ ، ولم يكن فعل التهيئة من الأفعال المدعمة للسلوك فقط ، وانما هو يبرز كفعل ينسجم مع الايقاعات المتكررة لهذا الحادث الجلل ، والانسجام قرين للشغف والحاجات الملحة . يصف الحاجة بأنها تحاكي حاجة السحرة الي طلاسم لفرض ايقاعات السحر . كحاجة الوردة الي العطر . كحاجة القمر الي لمعان المياه الراكدة لطباعة خيط اضواءه الفضية ..

” في الجهة المقابلة داخل المحطة

امرأة تنتظر أحد ما 

غامضا ومؤجلا ” 

حدد النشيد الطرف الآخر من اللقاء بأنه امرأة ما ، وما يزال مكان اللقاء هو المحطة ، وبالتحديد عند الجهة المقابلة للمحطة الأخيرة . لا تتمتع المرأة بصفات او هوية . تنتظر رجلا ما . هو ايضا غير محدد بصفات او هوية . يقول النشيد عنه انه غامض ومؤجل . هو غامض لانه لا يحمل صفات تتفق عليها . ليس في وسعها ان تتفق عليها ، ومؤجل لأنها لم تكد تعثر عليه رغم تكرار المحاولات , ولكنا نلاحظ ان الرجل والمرأة يفرضان مواقعهما في جهتين منفصلين ، واللقاء غامض ومؤجل .. 

“تلك المرأة

تغيب عندما اغيب

وكلما حركت لساني

تستعجل حضورها ” 

يحدد النشيد زمن حضور الرجل والمرأة وغيابهما في المكان بعينه . فالرجل يحرص علي الحضور بصفة متكررة لأنه يولي امر اللقاء عنايته القصوى ، والمرأة تغيب عن الحضور كلما غاب الرجل , حتي اذا ما غابت استعجل قدومها بالنداء ، وربط حركة القدوم والغياب في قران متصل بإرادة الرجل يضع علامة استفهام كبيرة ، بل ويضعنا في مأزق .. 

” كانت في الضفة الأخرى من الحياة 

تنظر لي كأنها تريد أن تقول شيئا ما

وانظر إليها كأنني قلت لها كلّ شي ” 

يعيد النشيد تعريف المكان . كنا قد رأيناه من قبل محطة اخيرة من محطات اللقاء ، والآن يعيد النشيد صياغة الموقع فيحدد جزء من صفاته وهويته, فموقع المحطة الأخيرة يقع علي الضفة الأخرى من الحياة ، ومن ثم تتحدد ملامح الرحلة اليومية في ذلك السعي الممض المكدود في رحلة الحياة اليومية ، وتتحدد ملامح المرأة في ذلك الهدف البعيد الذي نصبو اليه كلما دعت الحاجة الي بلوغ الأماني ، والتواصل في تلك الحالة بين الرجل والمرأة هو تواصل نسبي ، فالمرأة توحي الي الرجل بشيء لا تود كتمانه . شيء بسيط من بين اشياء عديدة تود قولها ، بينما يبوح الرجل بكل ما يملكه من اسباب واقوال ، والقول لم يكن قولا معلنا بقدر ما كان يحمله من طابع تمثله نوايا القول ، فالحديث لا يخرج من الصدر ، ولكنه يعتمر الفؤاد ويدور في القلب الموجوع ..

” في اليوم المولي موعدان متقاطعان 

في اليوم المولي 

والذي يليه ” 

يقوم النشيد بإرشادنا الي طبيعة الحركة الايقاعية للحدث المتكرر ، فيدلنا علي مدي نظاميته وتناسقه مع ضرورات الحياة المعتادة ، فيذكر لنا قائمة بالرحلات التي يقوم بها عبر الغد وبعد الغد . انهما كما يقول موعدان متقاطعان يجمعهما لقاء واحد في ازمنة مختلفة 

” والذي نفسي بيديها

حافظتُ على الموعديْن

معا 

البعيد لي 

والقريب لي 

الموعدان المتقاطعان  

 كان لامرأة واحدة … “