من مذكّرات معلّمة تونسيّة  …

  1. بقلم … نزهة المثلوثي

من مذكّرات معلّمة تونسيّة 

 

دقائق النّجاة 

 

تساءل سكان تلك المنطقة في حيرة عن سبب خروجي عدوا قبل لحظات من خروج التّلاميذ وركضي في الشّارع…

 

كنت أطوي المسافة في سرعة قصوى لا تقلّ إلاّ حين أسمع صفّارة القطار وصوت محرّكه فأطمئنّ لعدم فواته.

 

رفض سائق القطار القادم من العاصمة تأخير وقت انطلاقه نحو محطة نابل ؛ فقلت :

_ أنت مجبر على انتظاري يوم الأربعاء ويوم الجمعة ثلاث دقائق فقط 

_ ماذا ؟ مجبر ؟ لا ممنوع أن ينتظر القطار دقيقة واحدة يا سيّدتي.

_ انظر إلى هذا الشّارع القفر ماذا سأفعل ؟وكيف سأعود إلى ولديّ الصّغيرين فمابالك بعد العصر في هذا الشّهر الفضيل ؟

_سأنتظرك دقيقتين ونصف فقط.

_ شكرا 

 

أخذتُ مقعدا وبقيت أراقب أشجار النّارنج والبرتقال… والزّيتون ..وواجهات المطاعم والنّزل…واستحضرت مشهد اللّحظة الأولى بالمدرسة  ….

بعد أن نزلت من القطار وطويت طريقها وقفت أمام بابها بدهشة أشاهد منظر الجموع المتزاحمة في تدافع وقد تشبّثت بعض الأيادي بقضبان حديديّة وتلاصقت الوجوه المتشابهة في هتاف يعلو بإصرار : “مفتاح” “مفتاح ” مفتاح “…

ألقيت بصري أتأمّل ما ظهر بحثا عن مدخل يمكّنني من الولوج إلى المدرسة

عندئذ أقبلت سيّارة خاصة بوزارة الدّفاع تجاوزت الجموع المتجمهرة وتوقّفت على بعد أمتار حذو منعرج فهمت أنّ المنعرج يفضي إلى مدخل خاصّ بالمربّين والضّبّاط…

هرولت نحوه ..وحثثت الخطى خلف الضّابط حتّى وقف يسلّم على أحدهم 

_ أهلا مفتاح 

_مرحبا كيف حالك ؟

 

_بخير  

هل المدير في مكتبه ؟ 

_نعم في مكتبه.

 

اتّجه الضّابط نحو مكتب المدير 

 أمّا” مفتاح” فأخبرني أنّه معلّم أصيل الجهة: “الحمامات” “وأنّه قد رسم كلّ اللّوحات في شتّى قاعات وأركان المدرسة ….

سألني عن اسمي وشهادتي الجامعية …و قال :” أنت محظوظة لتعيينك هنا فالأجواء رائعة المدير سي ” محمد ” أصيل ولاية” سليانة” طيّب وشهم ..لا يبخل على المتربّصين بالنّصح والإرشاد والوثائق والدّراسات وكتب التّكوين المساعدة …

 

عبرت السّاحة ودخلت المكتب .فتسلّمت كتابين ووثائق ثبّتّها في ملفّ أوراق كبير كنزا استأنست به .. وتحدّثنا عن جدول الأوقات وصعوبة تنقّلي ففوّت لي “سي محمد ” في ثلاث دقائق أيّام الحصص المسائيًة وقال : ” كوني حذرة و لا تغادري قبل دخول النّاظر القاعة ولا تمحي السّبّورة ” وقال مفتاح 

_ما رأيك لو أجلب لك درّاجة ناريّة من محلّ صديق لي وتدفعين ثمنها أقساطا ؟

 

 _ لااااا المسافة بعيدة وأخشى قطّاع الطّرق …

 

كان” مفتاح” مطّلعا على كلّ خفايا المدرسة ومحيطها …

يتبع

بقلم … نزهة المثلوثي تونس